الأونطة هى فن من فنون المداهنة الأخلاقية ؛ فنحن في هذا العالم لا نُكافأ على الصراحة، بل على قدرتنا على جعل الآخرين يظنون أنهم أذكى، وأجمل، وأهم مما هم عليه فعلًا.
انه فن الكلمة الرقيقة التى تُطيل الأعمار، وتقصّر طوابير الانتظار، وتمنحك تذكرة مرور إلى حيث لا تصل الكفاءة وحدها.
كان جدى رحمه الله أول من علمنى - وأنا لا زلت طفلا لا أملك إلا براءة غبية- أن التطبيل ليس نفاقًا... بل وسيلة مواصلات! وأن المديح، إذا أُحسن توقيته، يُغني عن أى موهبه … لقد علمنى كيف أن امسح جوخًا باحتراف دون أن اشعر بالعار وأن كلمة واحدة في مديح موظف متجهم قد تفتح لك بابًا ظل مغلقًا بوجه الموهوبين سنين طويلة .
كان جدي أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كانت لديه قدرة عجيبة على أن يجعل من يسترضيهم من التافهين يتفاخرون بما لا يملكون بل ويشعرون وكأنهم قد أتَوا بما لم يأتِ به أحد .
قال لى ذات يوم:"يا بنى عليك أن ترتب كلماتك كما يرتّب البائع الرديء بضاعته الرديئة ؛لا تقل الحقيقة ابدا ؛ فالناس لا يريدون الحقيقة، بل خارجها المزيّف الذى يشبههم، ليس عليك ان تكون صادقًا ومخلصا ، بل ان تبدو صادقًا ومخلصًا".
ومن وقتها اصبحت المداهنة، والمراوغة، والمبالغة، والمجاملة، والتصفيق، والتطبيل، والتلوّن، والتملق، والتقرب، والتودد هى رأس مالى الوحيد!
أنا لست عبقريًا.
ولم أزعم يومًا أنني رجل موهوب أو بارع أو حتى متزن.
أنا ببساطة، رجل يعرف متى يصفّق ولمن.
قلت يومًا لمديري في العمل وكان جاحظ العينين، قصير الرقبة، متجهم الوجه –
إن حضوره يشيع في القاعة هيبةً لا توصف،
فبكى؛ وأعطاني مكافأة.
كتبت زوجتى ذات يوم بيتين من الشعر؛ فأقشعر جسدى من سطحية و ضحالة ما قرأت ولكنى قلت لها وعيناي تملأها الدموع : “ان كلماتك هذه تذكرني بجبران خليل جبران حين يتحدث عن الغموض العميق والرمز الكامن”!
كنت أتحدث عن الغموض فعلاً لكن ليس الذي قصده جبران!
لم أدخل إلى سوق العمل بخطة واضحة. ولا كنت أملك "سيرة ذاتية" تُثير الإعجاب، بل تُثير الشفقة.
كنت شابًا عديم الموهبة، محدود القدرات، لا أُجيد شيئًا على وجه التحديد سوى التكلُّم بلُطف مفرط لا يُحتمل والذى كان هو رأس مالي الوحيد.
تقدّمتُ لأول وظيفةٍ في حياتي وبدأت كلامى امام لجنة التوظيف بجملة افتتاحية لا علاقة لها لا بالوظيفة، ولا بالمؤهل، ولا بالقدرات؛ قلت: " في الحقيقة، أنا لا أصدق اننى اقف امامك فى هذا الموقف المهيب ؛ اننى ورغم عبقريتى و كل مؤهلاتي وكل ما أحمله من شهادات، وخبرات سابقة الا اننى اتضاءل امامكم حتى اننى بالـكاد اُرى ."
ابتسموا.
ثم نظر إليّ أحدهم، وقال:
"هل لديك خبرة في مجال عملنا؟"
فقلت بلا تردد: "لا، ولكنني أملك قدرة عجيبة على التعلُّم، خاصةً إذا كان المعلّم مثلكم."
فاعتدل في جلسته، وازداد عنقه طولًا واحمرارا وقال للسكرتيرة و عيناه تلمع بوميض نرجسي: "سلميه الشغل"!
مقابلتي الأولى هذه منحتني أول وظيفة ؛ ولكنها علمتنى ان المفتاح الذهبي للنجاح ليس الخبرة"، ولا "الإجادة ولا الكفاءة ؛الفرص تُمنح فقط لمن يعرف أن يُقنع من يداهن بأنه "أسطورة"، ولو كان لا يفرق بين جهاز الكمبيوتر وجهاز الميكروويف.
في أول أسبوع لي في الوظيفة، اكتشفت أن زميلي في المكتب رجل عبقري لكنه لا يبتسم.
يأتي في الموعد، يعمل في صمت، يخرج في صمت، وينام مظلومًا.
أما أنا، فكنت أبدأ يومي بابتسامة عريضة، أُخبر فيها المدير أن لحيته تنمّ عن نُضج فكري، وأن قراراته تشبه قرارات تشرشل في الحرب العالمية الثانية، كنتُ اتصل به هاتفيًا كل يوم كى اطمئن عليه وعلى أولاده ،واخوته وأبناء إخوته، وحتى جيرانه الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني. ، كنت أفعل ذلك بلهفةٍ تُذيب القلب، ويا حبذا، لو كان صوته في الهاتف متغيرًا قليلًا ، كنت أتحوّل في لحظة إلى كتلة من القلق، أسال على صحته متلهفا ، وأقسم غير حانثأ انني ساحضر له في التو "كنسولتو" من الأطباء حتى لو كان كل ما يعانيه مجرد نزلة برد عابرة ، أو شربة ماء نزلت في المجرى الخطأ.
كنت أومئ بالموافقة على كل ما يقوله قبل أن ينطق.
كنت اضحك في وجهه حتى وهو يخصم من راتبى ؛ كنت ابدى دهشتى من كل فكرة، يقولها واصفها اياها بأنها عبقرية وخارج الصندوق حتى لو كانت مجرد إعادة تشغيل الطابعة!"
كل هذا هو ما رشحنى بعد شهرين فقط لأول ترقية فى حياتى والتى عندما سئل المدير "بأيّ مؤهلات يستحق هذا الشاب هذه الترقية؟"
قال وهو يربّت على كتفي: "هذا الولد يعرف من اين تؤكل الكتف!"