ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حرب طاحنة تنتظر من الأمة كلها أن تكون صفا واحدا يحمل خطابا واحدا، يجمع أطيافها ولا يفرق جموعها، لكن أمتنا في ظل هذه المحن العاتية منيت بالمرضى الذين يؤججون نيران الخلافات المذهبية والتعصب للآراء الفقهية والعقدية، التي لا يفيد التقاتل عليها إلا أعداء الأمة.
كثير من شباب الدعوة بدلا من أن يوجهوا جهودهم في توحيد الصفوف، انجروا صوب هذه التناحرات المرضية، وأزكوا نيرانها وأججوا لهيبها، حتى صار اليوم بينهم وبينم خصومهم من فرق المتدينين قتال واحتدام وتكفير وتفسيق.. هذا ينصر التأويل وذلك يقول بالتفويض، هذا أشعري والاخر سلفي، هذا صوفي وغيره ماتريدي، وكل يدعي أنه أحق من غيره بلقب أهل السنة والجماعة، ثم تدور الحرب والخصومة التي تخلفها كراهية مقيته وحقد أسود معلون.
عمل أهوج لا يفيد إلا المتربصين بنا من الحاقدين على ملتنا، ومثل هذه الخصومات أعظم هدية نقدمها لهم.
قد يكون هذا تصورا محزنا، لكن الأنكى حزنا، أن يسير في ركاب الصبية علماء يفترض لهم أن يكونوا على قدر من الحكمة والبصيرة، ليطفئوا نيران هذه العداوات التي لا تفيد بشيء إلا المزيد من تفريق صفوف الأمة الضائعة.. كيف لهم أن يفعلوا هذا ويكونوا وقودا لهذا الطريق الذي لا يحمل الخير.؟
كتبت كثيرا وحذرت أكثر من هذه الغفلة الطائشة، لكن الغلمان يصرون على المضي قدما في ذات الغي غير عابئين بمستقبل دينهم ونجدة أمتهم.
حتى وجدت مقالا قديما كتبه أحد علماء الأزهر الشريف الفطنين، وكان مقاله بمثابة صرخة مدوية أو إرهاصا بما سيكون في المستقبل القادم.
لقد كانت مقالة أو صرخة فضيلة الدكتور (محمد صلاح عبده) محمد صلاح عبده محمد التي حدت الحدود، وأرست الأطر، ورسمت المسار، ورفضت الاعوجاج، وبينت الانصاف، وقعدت لطريق الاستقامة الفكرية والعقلية والدينية.
الدكتور محمد رجل متخصص في العقيدة والفلسفة، وهو خير من يتحدث في هذا الميدان، وحينما قرأت مقاله، كأنني وقعت على درة يجب أن تعاد وتدرس وتقرأ ليل نهار، ويتعلمها القاصي والداني عسى أن يعي الشباب المتعصب، والعلماء المتهورون، خطورة ما يرموننا فيه من غياهب التعصب المقيت، والعبث الذي يجروننا إليه ليُذهب ما تبقى لنا من قوة.
ليت كل المتدينين من عشاق هذا العبث الفكري والترف العقدي أن يقرؤوا هذا الفهم النابغ، وهذا التأصيل القويم، من رجل متخصص حمل الفطنة وأثقله الوعي، وجملة العلم الرشيد وارتقت به الحكمة ليرى ما أغفله الأخرون.
كنت أحب أن أكتب دراسة دقيقة حول هذا المقال، وأبين دقائقه وأظهر محاوره وفوائده، وأدلل على ما فيه من جمال، لكنني رأيت أن أضعه كما هو حتى يعيش معي القارئ ما عشته من روائع البصيرة، التي رزقها هذا العالم الجليل، عسى الله أن يجعل في كلامة فائدة وعبرة وردة لطريق الحق والصواب.. فنفيق قبل فوات الأوان.

كان ذلك عام 2016 حينما كتب أستاذنا الجليل مقالة  تحت عنوان (علي هامش مؤتمر الشيشان) قال فيها:
المؤتمرات واللقاءات والمحاضرات لا يمكنها تصنيف الناس حسب عقائدهم ؛ لكنها قد تنجح في تصنيفهم باعتبار مذاهبهم ؛ وهو ما حدث في المؤتمر الأخير المنعقد لتحديد من هم أهل السنة والجماعة .
فالذين اعتبرهم المؤتمر ممثلين لأهل السنة والجماعة لم يكسبوا شيئا جديدا ولا أرضا جديدة ولم يعتنق مذهبهم منضمون جدد .

وكذلك الشأن بالنسبة للذين لم يشملهم التصنيف فما ذلك بضارهم من شئ ؛ لأنهم في المقابل كانوا أسبق من المؤتمرين في اعتبار أنفسهم أهل السنة والجماعة ولم يبالغوا في إقصاء مخالفيهم في المذهب فحسب بل اشتطوا أحيانا بتكفيرهم واستحلال دمائهم عند الغلاة منهم .

إن الله تعالي لن يسأل مسلما عن التفويض وليس بسائله عن التأويل ،
ولن يسأل أحدا عن معني الاستواء علي العرش ، ولا عن المقصود من الصفات الخبرية ولا عن المراد من الوجه واليد والعين والساق إذا جاءت مرتبطة بالله عز وجل ، ولا يظنن ظان أنني بذلك سلفي التوجه فلست سلفيا ولا خلفيا وفي الصدر الكثير ضد الفريقين  فتناول هذه المسائل وما شابهها ترف في البحث لم يتطرق إليه القرآن الكريم ولا ما صح من سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم .

وقد مات ملايين المسلمين دون أن يعلموا شيئا عن هذه القضايا التي أثيرت بحدة بعد القرن الأول ؛ ولن يحاسبهم الله علي جهلهم بها .
فماذا عن إيمان الذين ماتوا قبل العلم بها ؟ ، وماذا عن الملايين من المسلمين الذين ماتوا في القرون اللاحقة ، والذين يموتون الآن دون علم بها كذلك ؟ أجيبوا يا أيها العلماء المتصارعون حولها من كل المذاهب .

ولهذا كنت صادقا مع ديني ومع نفسي عندما قعدت لنفسي قاعدة كانت بالنسبة لي منهجا حياتيا وأكاديميا :
إسلام بلا جغرافيا عقيدة بلا مذاهب .

فالمسلمون جعلهم الله متساوين في الحقوق والواجبات وجعل معيار التفاضل فيما بينهم التقوي ؛ لكن الجغرافيا فرقت بينهم وتجاوب العرب والمسلمون مع كل الأصوات الناعقة بتفرقهم الداعية لتحزبهم الداعمة لابتعادهم عن إسلامهم الحنيف .
فإذا قلبت بصرك في أوطان العرب والمسلمين وجدت حدودا وسدودا وقيودا :
وجدت حدودا فيما بينها تحرم الدخول بغير الحصول علي تأشيرة .
وجدت سدودا حاجزة عن التواصل بين أبناء الدين الواحد واللسان الواحد والوطن الواحد .
وجدت قيودا تغل أيدي العرب والمسلمين عن الحركة الإيجابية :
فلا حرية في التنقل ولا في العمل ولا في الزواج ؛ بل إن بعض الأنظمة حرمت هذه الأمور التي أحلها الله تعالي ؛ ففي بعض الدول العربية نصت القوانين علي إسقاط الجنسية عمن يتزوج من غير جنسيته !!!
وقلّب بصرك في العاملين العرب عند إخوتهم في الإسلام والعروبة تحت ما يسمي بنظام الكفيل وهو أشبه في كثير من الحالات بالرق الذي هدمه الإسلام .
مع العلم بأنني لست ضد محافظة كل بلد علي خصوصيته الثقافية لكن الأعراق قصم الاستعمار ظهرها وفتت أهلها مثلما صنع في الشام والخليج فالقبائل والعشائر ذات الأصول الواحدة فرقتها الجغرافيا أيدي سبأ ، فإنك واجد القبيلة الواحدة تتوزع في أكثر من بلد وهذه الظاهرة تملأ دول الخليج .

يضاف إلي ذلك أنني لا أدعو للخلافة ولا أروج لها ؛ لكنني في نفس الوقت أتمني أن يكون العرب والمسلمون في أوطانهم متساوين في كل شئ :
في حرية الانتقال
والحصول علي أنصبتهم من الثروة 
والتمكن من الالتحاق بالتعليم اللائق 
والعمل المناسب .
فضلا عن خصوصية حب الوطن التي اوصي بها الإسلام وحض عليها ولكن بغير استعلاء قمئ ، أو دونية بغيضة عند تفاوت الاقدار .

هذا عن الشطر الأول : إسلام بلا جغرافيا 
فإذا جئنا إلي الشطر الثاني : عقيدة بلا مذاهب فهو تعبير عن رغبة ملحة في الاكتفاء بأمهات المسائل التي جاء بها القرآن الكريم وما صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ويسعنا ما وسع صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم وتابعيهم الذين لم يتوسعوا في تفريعات المسائل العقدية التي كانت تطل برأسها لكن أهل صدر الإسلام كانوا يتجاوزون المسألة وقتها دون الاسترسال في بحثها لسلامة العقيدة وصحتها .
وفرق بين المذهبية في العقيدة فأضرارها - فيما أري - أضعاف منافعها علي فرض أن الخوض فيها نافع .
وبين المذهبية في الشريعة فهي من الضروريات التي لا غني للمسلمين عنها حيث يقوم المسلمون بضبط حياتهم علي ضوء قواعدها في :
العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية ؛ فلا يمكن استقامة حياة المسلمين إلا من خلال العلم بقواعد الشريعة ؛ لكنها من فروض الكفاية .

وليت الدعاة لهذا المؤتمر الأخير انتبهوا إلي أمور أهم من تحديد أهل السنة والجماعة بكثير مثل :
- الاتفاق علي صيغة واحدة للتعريف بالإسلام بغير جغرافيا ( لكيلا  نقدم للناس إسلاما مصريا ولا سعوديا ولا تركيا ولا أردنيا وهلم جرا ) ولا مذهبية ( لكيلا نقدم للناس إسلاما سلفيا ولا أشعريا ولا ماتريديا ولا صوفيا ولا وهابيا وهلم جرا ) لدعوة غير المسلمين إلي الإسلام .
- الاهتمام بالاتفاق حول تعريف المسلم في عصر أصبح المسلمون يخرجون من دين الله أفواجا بعدما كانوا يدخلون فيه أفواجا .
- الاتفاق حول تعريف واضح للإرهاب سواء أكان صادرا عن الأنظمة أو الأفراد أو الفرق الضالة .
- رفع توصيات للحكام المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية تدريجيا وكأننا في صدر الإسلام .
- التنادي بأسلمة القوانين وأجهزة الإعلام ومناهج الدراسة واستبعاد كل ما يخالف الشريعة الإسلامية .
- الاهتمام بالأقليات الإسلامية في مهاجرها - شرقا وغربا - والتي تتعرض للتطهير العرقي ( بورما أنموذجا ) ، والتضييق الاعتقادي والسلوكي والأخلاقي كما يحدث في أوربا المتحضرة ! .
- التفكير في مصير المسجد الأقصي بل والقضية الفلسطينية بصفة عامة .
- طمأنة الأقليات غير المسلمة في الدول الإسلامية بضمان كافة حقوقهم حسب القوانين المعمول بها في هذه الدول ؛ وحسب شرائعهم الخاصة فيما يرتبط بأحوالهم  الشخصية .
- النص علي حرمة الدماء الإنسانية بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية واللغوية والعرقية والجغرافية وخصوصا في أوقات السلم .
- حروب الإبادة التي يتعرض لها المسلمون السنة وما سوريا منكم ببعيد التي اجتمع عليها الفرس والروس فضلا عن حاكمهم العميل الذي يتصرف وجيشه أسوأ مما تقوم به قوات الاحتلال .
- التوفر علي اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الموجات الإلحادية العاتية ، والانحرافات السلوكية الطاغية .
- البحث عن خطط ومناهج حديثة صالحة لمخاطبة إنسان العصر المنهزم أمام جبروت الحضارة المادية ، وسطوة التقنية الرقمية ، واختيار آليات جديدة للدعوة الإسلامية 
- التقريب بين طوائف أهل السنة عن طريق الاتفاق حول أمهات المسائل دون إثارة قضايا فرعية ما أنزل الله بها من سلطان ولن يتضرر معتقد المسلم إذا كان جاهلا بها ( فلن يسأل الله مسلما عن كيفية نزوله في الثلث الأخير من الليل )

هنيئا للشيطان الذي نجح في التحريش بين المسلمين

هنيئا للدعاة لهذا المؤتمر ورعاته خلف الستار الذين نجحوا في زيادة مساحات الاختلاف والفرقة بين المسلمين .

هنيئا للمسلمين من كل الطوائف والمذاهب والفرق فقد وجدوا ما يسكبون به مزيدا من الزيت علي النار :
هيا أيها المفوضون استعرضوا عضلاتكم في تفنيد آراء المؤولين واستعيدوا التهمة المعلبة من بطون التراث وصفوهم بالتعطيل .
هيا أيها المؤولون استعرضوا عضلاتكم في تفنيد آراء المفوضين واستعيدوا التهمة المعلبة من بطون التراث وصفوهم بالتجسيم .
يا أتباع الفريقين :
استحضروا أدلة رواد مذاهبكم وضعوا قوائم بأسماء العلماء القدامي حيث لا فضل لمعاصريكم إلا في اجترار ما قيل قديما .
هلموا  ... هلموا  ...
فالمسلمون يتحرقون شوقا لسماعكم ومعرفة آرائكم التي لا فضل لكم فيها حول مسائل :
الاستواء 
الوجه 
اليد 
العين
النزول
هلموا فالمسلمون منتصرون في بلادهم آمنون سعداء مستقرون ولم يبق لديهم إلا هذه المسائل وهم علي أحر من الجمر ينتظرون صراعكم حولها تمهيدا لحسمها .

هيا أيها الأشاعرة
هيا أيها الماتريدية 
هيا أيها الصوفية علي خط سيد الطائفة الإمام الجنيد 
هيا أيها السلفيون
هيا أيها الوهابيون 
هيا أيها التيميون 
"
هيا أيها المسلمون :
هجوم ...
شدوا حيلكم :
انصروا مذاهبكم واهدموا مذاهب مخالفيكم فوق رؤوسهم 
ولا تنسوا نصيب أئمتكم من المدح وأئمة مخالفيكم من القدح 
مع حظ الجميع من الثناء والهجاء والسباب والسفالة .
هيا :
لا تضيعوا وقتا وأمامكم وسائل الاتصال املأوها بحضوركم ولا تنسوا حضوركم أمام ربكم " إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا "
وإنا لله وإنا إليه راجعون .

تم نسخ الرابط