ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

استشراف توظيف التكنولوجيا في الفتوى مع تقنين الضوابط الأخلاقية

انطلاق أعمال الجلسة العلمية الثالثة لمؤتمر الإفتاء العاشر في يومه الثاني

خلف الحدث

واصل المؤتمر العالمي العاشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم فعالياته في القاهرة خلال يومي 12 و13 أغسطس الجاري، تحت شعار "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، مع التركيز في الجلسة العلمية الثالثة على دور التكنولوجيا الحديثة، وبخاصة الذكاء الاصطناعي، في الحقل الإفتائي، وأهمية وضع ضوابط شرعية وأخلاقية دقيقة تضمن سلامة المخرجات الفقهية وحماية قدسية الفتوى.

وقدمت الجلسة نقاشات موسعة بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين المتخصصين، سلطوا خلالها الضوء على فرص استخدام التقنيات الحديثة في خدمة الفتوى، إلى جانب المخاطر والتحديات التي قد تنتج عن سوء توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الدقيق.

افتتح الجلسة الدكتور أيمن عبد المؤمن عبد العظيم، استشاري الإدارة العامة لنظم المعلومات بمشيخة الأزهر، بعرض بحثه بعنوان: "الذكاء الاصطناعي التوليدي والمعلومات الإسلامية: فرص، مخاطر، وإطار منهجي للاستخدام"، موضحًا خلاله أن الذكاء الاصطناعي يعد سلاحًا ذا حدين؛ فهو يوفر فرصًا متعددة في تنظيم المعرفة، وخدمة التراث الفقهي والمخطوطات، وتعزيز التعليم والدعوة، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر جسيمة تتمثل في عدم الدقة، والتحيز، وما يُعرف بالهلوسة المعلوماتية، بالإضافة إلى عجزه عن فهم السياق الإنساني ومراعاة حال المستفتي.

واقترح الدكتور عبد المؤمن إطارًا منهجيًا مسؤولًا يضمن الاستخدام الآمن لهذه التقنيات، مؤكدًا ضرورة أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تحت إشراف العلماء، وليس بديلاً عن المرجعية الشرعية. وطرح الباحث عدة مرتكزات لتقنين هذا الاستخدام، منها: صياغة الاستعلامات بوضوح لتقليل غموض المخرجات، استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد مسودات مبدئية مثل تلخيصات وفهارس المخطوطات، التقييم النقدي للمخرجات عبر فحص "الهلاوس" واختبار التحيز، والتحقق من مصادر المعلومات الشرعية بمقارنتها بالقرآن الكريم والسنة النبوية والأدلة الفقهية المعتبرة.

واختتم الدكتور عبد المؤمن عرضه بالاقتراح بإنشاء منصة "الفتوى الذكية" (Fatwa AI) مدعومة بالمراجعة البشرية لضمان الشفافية والمصداقية، إلى جانب خطة متكاملة لرقمنة التراث الفقهي وتوحيد قواعد البيانات الشرعية، مع تشكيل لجنة عليا متعددة التخصصات من المجامع الفقهية وخبراء الذكاء الاصطناعي للإشراف على تطوير المنصة واعتماد مخرجاتها.

وفي سياق متصل، قدم الأستاذ الدكتور أحمد محمد محمد بيبرس، أستاذ ورئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالدقهلية وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، بحثًا بعنوان: "معالجة تحيّز خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأثره على المفتي الرشيد"، أشار فيه إلى أن الفتوى مقام شرعي رفيع لا يتولاه إلا العلماء الربانيون، وأن الذكاء الاصطناعي يظل أداة مساعدة تفتقر لإدراك نية المستفتي والوعي بالسياق النفسي والاجتماعي، فضلًا عن القدرة على الترجيح الفقهي والنظر المقاصدي.

وتناول د. بيبرس التحيزات المحتملة في الأنظمة الذكية المخصصة للإفتاء، مثل التحيز في جودة ودقة البيانات الفقهية، والتحيز اللغوي عند التعامل مع النصوص الشرعية، وضعف الأمان السيبراني، والتباطؤ في تحديث النظام، وتقديم إجابات مجملة أو معقدة، بالإضافة إلى تحيز النظام لمخرجات قد لا تتوافق مع الضوابط الشرعية أو الأصول العامة للشريعة. ودعا إلى وضع معايير دقيقة، وإنشاء لجان علمية مشتركة من الفقهاء والمبرمجين لضبط المحتوى وضمان سلامة المخرجات، مع التحذير من الاعتماد الكامل على الفتاوى الآلية دون مراجعة أهل العلم.

أما الدكتور محمود شلبي، أمين الفتوى ومدير عام الإدارة العامة للمراجعة والتنسيق الشرعي بدار الإفتاء المصرية، فقد قدم عرضًا بعنوان: "استشراف وتوظيف التكنولوجيا في خدمة الإفتاء.. دار الإفتاء المصرية نموذجًا"، مشيرًا إلى أهمية الدمج بين العمل الإفتائي والتكنولوجيا الحديثة لتحقيق الدقة والسرعة في إصدار الفتاوى، مؤكدًا أن التكنولوجيا أداة مساعدة تمكن المفتي من الوصول إلى تصور واضح للمسائل، واستقبال طلب المستفتي، والتحقق من صحة البيانات، والبحث في المصادر، وإيصال الفتوى بسهولة للمستفيدين.

واستعرض د. شلبي منظومة العمل الإفتائي بدار الإفتاء كنموذج رائد، بما يشمل برامج ميكنة الفتاوى، ومنظومة التعامل مع جمهور المستفتين شفويًّا وإلكترونيًّا، وتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية، إلى جانب التطبيقات الذكية مثل "Fatwa Pro"، والمؤشر العالمي للفتوى، وبرامج توثيق التراث الفقهي، وإدارة تكنولوجيا المعلومات، مؤكدًا على ضرورة وضع ميثاق شرف لتوظيف التكنولوجيا وتحقيق التوازن بين التقدم التقني والكادر البشري المؤهل لضمان إنتاج فتاوى منضبطة وفق مقاصد الشرع.

وأخيرًا، قدّم الدكتور محمد عبده أبو المعاطي الأدهم، أمين الفتوى بدار الإفتاء، بحثًا بعنوان: "مراعاة حال المستفتي بين مهارة المفتي ونمطية الذكاء الاصطناعي"، تناول فيه الفارق الجوهري بين قدرة العقل البشري والذكاء الاصطناعي على فهم الجوانب الإنسانية للمستفتين، بما يشمل بيئتهم، ومستوى تعليمهم، وحالتهم الصحية والنفسية، وتأثير هذه المعطيات على الحكم الشرعي. وأكد د. الأدهم أن العقل البشري يمتاز بالقدرة على التحليل المنطقي وفهم المشاعر الإنسانية، مما يمنح المفتي قدرة فريدة على مراعاة الفروق الفردية، على عكس الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على النمطية وتعميم الأحكام.

واختتم الباحث بتقديم توصيات عدة، أهمها حصر دور الذكاء الاصطناعي في مساعدة المفتي البشري، وتشديد الرقابة على المنصات الرقمية، وتدريب العناصر الشرعية على التعامل مع أخطاء الأنظمة الذكية وتصويبها، بما يضمن سلامة الفتوى وموثوقيتها، وصون مكانة المرجعية الشرعية في عصر التقنية الحديثة.

وتأتي هذه الجلسة لتؤكد على أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يتيحه من فرص واعدة، لا يمكن أن يحل محل الاجتهاد البشري، وأن تطوير الفتوى الرقمية يجب أن يراعي ضوابط شرعية وأخلاقية صارمة، مع الاستفادة من التكنولوجيا كأداة مساعدة تعزز من دقة وسرعة العمل الإفتائي دون المساس بقدسية الفتوى أو أصول الشريعة.

تم نسخ الرابط