يقول توفيق الحكيم في وصف وصف باريس إن باريس ليست الماضي فقط ولا الحاضر فقط. إنها الماضي والحاضر معاً.
إنها الماضي الجميل الذي يبقى والحاضر المتغير ليلائم التقدم.
أحياء قديمة برمتها كما عرفتها من قديم وتماثيل كانت شامخة وظلت شامخة .. بل وبعض دور المسارح والسينما لم تزل باقية في أماكنها تحمل أسماءها المعروفة من مائة عام أو مئات الأعوام .. إن التقدم في بلاد الحضارة ليس معناه الهدم والإزالة في كل الأحوال بل أيضاً معناه الترميم والإضافة .
ثم يقول أيضاً: " وباريس عندى هى السير"

ومن هذه العبارة الأخيرة نسير بأرجاء باريس. والحقيقة أنني كنت أفعل نفس الشىء حتى قبل أن أقرأها لتوفيق الحكيم فباريس عندي هى السير ولا شىء غيره إلا في نطاق بسيط.
منذ أن وطأت قدامى هذه العاصمة وأن أسبح بين أرجائها قاطعاً شوارعها باحثاً عن رحيق الماضي في أزقتها القديمة وطالباً لحدثاتها وبريقها بين مدنيتها الحديثة.
إنها الماضي والحاضر كما وُصفت.
بالفعل كان لى تجربة لن تغيب عن ذاكرتي ومخيلتى داخل صرح التاريخ العظيم وأقصد متحف اللوفر Musée du Louvre إنه أحد المكونات التي تحفظ أسرار الحضارة وفي زيارتي هذه حددت صرحاً كبيراً آخر ووضعته على قائمة وجهاتي ألا وهو صرح العدل
Palais de
Justice
والحقيقة فأنا لست من هؤلاء الذين يجيدون السير مستهدين بخارطة رغم سهولة الأمر إلا أنني لم أتقن ذلك ولعلني كنت أضمر في نفسي رغبة عدم الإتقان هذه ، فأنا أكرر دوماً عبارة توفيق الحكيم: "وباريس عندي هى السير"
بالسير وحده تُدرك ما لا تدركه بالخرائط، حتى ولو كان سيراً عشوائيا.
إن الخرائط ترشدك إلى الميادين والقلاع والشوارع الشهيرة والنُصب التذكارية لكنها لن ترشدك إلى الأزقة .. شوارع الكتب القديمة .. أماكن الموسيقى الشعبية .. لن ترشدك إلى مقاهي باريس المتناثرة على جانبي الطرق بين المقهى والمقهى، مقهى أخرى .
إن الخرائط لن ترشدك إلى البيوت والمحلات القديمة التى دُون عليها تاريخ تأسيسيها وكم تبلغ هى متعتى عندما أقرا هذه العبارة على محل قديم: "أسس منذ 1773
Fondée depuis 1773
يا لا روعة العبارة البسيطة..

إن الذاكرة هى عنوان حضارة الشعوب وكل شعب يتقدم بمقدار قوة ذاكرته.
إنهم يحفظون تاريخ تأسيس حتى المحلات الصغيرة لتكون شاهداً ومبرراً للبقاء والإستمرار.
نعود إلى صرح العدل .
كنت قد انتهيت لتوى من زيارة
norte dame de Paris
الشهيرة ( كنيسة نوتوردام) وقد أخذتني قداماى إلى محطة المترو Métropolitaine ، وإذا بى أرى سهماً يثير إلى قصر العدالة
Palise de
justice
وسرعان
ما اتجهت ناحية السهم وكانت المفاجأة الكبرى التي أعفتني من أن أدقق في خارطة لم أعتد أن تقودني وكأنها هدية من السماء أو هكذا ظننت.
اتجهت صوب المكان مسرعاً وإذا به صرح هائل دُون على لافتة كبير عند بوابته المهيبة عبارات كانت تتصدرها هاتين العبارتين Cour d'appel
la Cour de cassation.
أى محاكم الاستئناف .
ومحكمة النقض .
مبنى عظيم تتوجه الهيبة والوقار.
يتحتم عليك لكى تبلغ الباب الرئيسي له أن تجتاز حاجز أمني لم يأخذ من الوقت سوى دقيقتين أو ثلاث.

وضعت حقيبة يد بسيطة داخل الجهاز الإلكتروني واجتزت بوابة الأمن في يسر وأصبحت الأن في مواجهة المبنى العريق بكل هيبته وبكل جذوره الممتدة عبر تاريخ العدالة بأكملها باعتبار أنني الأن أمام أعرق مدارس القضاء في العالم وأعنى المدرسة اللاتينية التي يمثلها القضاء الفرنسي وكذلك والقضاء المصري وتقوم محكمة النقض فى النظامين على توحيد مبادئهما القانونية.
تفحصت المبنى جيداً قبل أن آخذ في صعود درجات السُلم العديدة التي تقودني للداخل ، فلفت انتباهي ثلاث كلمات محفورة فوق قمة المبنى هى كالتالى:
LIBERTE..الحرية
EGALITE..المساواة
ERATERNITE..الإخاء
وقلت لفوري ..ما هذه العظمة .. !
إن مبنى للعدالة تتصدره تلك الكلمات التي تحمل أسمى مبادئ الإنسانية لجدير بمسماه كصرح للعدل والتي تحمل شعار الثورة الفرنسية.
ما أعظم أن يكون دلوفك إلى صرح عدل عبر تلك المعاني: الحرية..المساواة..الإخاء .
إنها كافية أن تلقي على قلبك الإطمئنان والسكينة والقبول والرضاء وهل القضاء غير تلك المعاني .. !
صعدت درجات السُلم وكأن من صمم هذا المبنى أراد أن يهيئ نفوسنا لإستقبال الصالة العملاقة التي تستقبل كل من يبلغ هذه الدرجات.
على يسار باب الدخول مباشرة مكتب زجاجى على شكل شبة دائرة كُتب عليه ACCUEIL
أى استقبال أو ترحيب مثلما الحال فى بهو محكمة النقض المصرية
وها هو البهو المهيب!..
بمنتصفه نصب تذكاري عبارة عن سيدة غالباً ترمز للأمة الفرنسية وتحتظن رجل جاثياً فوق ركبتيه يرمز للقضاء ( الواقف والجالس) يرتدى روب المحاماة ووشاح القاضي وقد دون فوق هذا النصب هذه العبارة
MAGISTRATS DU RESSRT DE LA COURE D APPLE

وهو ما يمكن ترجمتها " قضاة بارزون بمحكمة الإستئناف "
ثم حُفر تحت هذه العبارة أسماء العديد من القضاة.
على الجانب الأيمن من ذلك النصب وجدت تلك العبارة:
AVOCATS A LA COURE DE PARIS.
وهو ما يمكن ترجمته بعبارة "محامون محكمة استئناف باريس"
ثم نقش تحتها أسماء محامين فرنسيين بارزين.
لُوحظ لي أن ما يرمز للقاضي والمحامى الذي تحتضنه فرنسا يضع خوذة المقاتل فوق رأسه.
والحقيقة ظلت مدة من الوقت حتى أستطيع أن أصل إلى المعنى.
ما معنى أن يتجسد روب المحاماة ووشاح القاضي وخوذة المقاتل فى شخص واحد؟!
لكن المعنى بعد ذلك اتضح عندما أبصرت أقصى الجانب الأيمن لهذا النصب فوقعت عينى على هذا التاريخ الذى يمثل جزءاً هاماً للغاية للقارة الأوربية بصفة عامة ومن كان طرفاً في الحربيين العالميتين بصفة خاصة مثل فرنسا.
فوجدت أعلى أسماء المحاميين والقضاة
هاذين التاريخين: الأول هو 1914--1918
والثانى هو 1939--1945
ثم نُقشت هذه العبارة الخالدة:
LA JUSTICE ARME CEUX QUI VONT MOURIR POUR ELLE.
وهو ما يمكن ترجمته : جيش العدالة الذين قُضوا من أجلها"
وهنا أخذتني الدهشة بل تملكتني في الحقيقة فلم أن أتوقع أن أجد باستقبال محكمة مثل هذا التقدير لمن قدم حياته فى حربين ضروسين.

لقد شاهدت كثيراً هذا التقدير بميادين هذه القارة ما يخلد ذكرى الذين حاربوا والذين قُضوا من أجل أن تحيا أوطانهم ، ويوجد على سبيل المثال بميدان الكونكورد وسط باريس لوحة مجسمة عظيمة تقول هؤلاء الجنود ماتوا من أجل أن نحيا.
لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى تخليداً لذكرى هؤلاء داخل بهو واحدة من أعظم المحاكم على وجه الأرض.
بالطبع أن تخليد ذكرى هؤلاء يأخذ هنا طابعاً فريداً استثنائياً ، فهم رجال قانون .. قضاة ومحاميبن يرتدون روب المحاماة ووشاح القاضي وخوذة المحارب ، تحتضنهم الأمة الفرنسية وهم جاثمين هكذا كناية عن تقديم أرواحهم فداءً له له.
أى تقدير هذا للقاضي والمحامي والمحارب معاً.
أى مزيج هذا بين الروب والوشاح وخوذة المحارب .. !
لقد كان المشهد عظيماً يجسد تاريخ ونضال رجال من المحامين والقضاة رحلوا فقط بأجسادهم لكن أسمائهم بقيت محفورة ببهو محكمة اتخذت من الحرية والمساواة و الإخاء عنواناً ورمزاً لها ويا له من تقدير .
تأملت أسماء المحامين الذى قضوا فى الحرب وكأننى أعرفهم .
تأملت أسماء القضاة الذين قضوا فى الحرب وكأنني أحدهم. لقد تعطرت نفسي بهم .
لقد تعلمت من هذا المشهد الكثير والكثير ولقد قفز إلى ذهني مقولة شارل ديجول الخالدة عندما عاد إلى فرنسا بعد الحرب وسأل عن القضاء فأخبروه أنه بخير فقال إذن فرنسا بخير .
بعد ذلك وجدت تلك العبارة ORDER DES AVOCATS وقد تصدرت بهو فسيح ينتهى بغرفة عريقة فعلمت أنها غرفة المحامين لكن الذي لفت نظرى هو العبارة نفسها فلم تكن تدل على أنها مجرد غرفة بل أن ترجمتها حسبما رأيت تعنى جدول أعمال المحامين وشتان ما بين عبارة Salle des avocats
أو Chambre Des AVOCATS
أى صالة المحامين أو غرفة المحامين وبين Order Des AVOCATS أي جدول أعمال أو نظام المحامين.
إنها عبارة تحمل جوهراً يليق بعمل المحامي الذي يعد عنصراً جوهرياً بمنظومة العدالة .
ولأننى أتجول بين أروقة محكمة النقض ومحكمة استئناف باريس فكان لزاماً أن أجد تلك اللافتة التى تشير إلى TRIBUNAL CIVIL أي المحكمة المدنية بكل ما تحمله من قيم كان لها أبلغ الأثر فى صناعة تحضر ورقى هذا الشعب بما أرسته من مبادئ تشكلت منها ثقافة المواطن المدنية .
كان شذا العدالة يفوح في الأرجاء والطرقات الطويلة ذات الضوء الخافت بعض الشىء .. ينثر الهيبة بالأجواء.
لم الحظ أي لا فتة أو إعلان ورقي فوق الجدران كما فعلنا نحن عندنا بمنى عريق مثل دار القضاء العالي الذي يشبه إلى حد كبير التصميم الهندسي لمحكمة النقض الفرنسية وكأن اليد التي صممت المبنيين واحدة مع ملاحظة أن مساحة صرح العدالة هنا أكبر ربما بمقدار الضعف أو يزيد قليلاً.
لم ألحظ أيضاً شىء ملقى أرضاً حتى ولو كان في حجم قصاصة ورق ولم اشتم أيضاً بطبيعة الحال أى أثر لرائحة دخان السجائر.
رأيت عدد من المحاميات برداء أنيق وقور يحملن حقيبة أوراق ربما بداخل كل منها "روب" المحاماة الخاص بهن.
بضع ساعات ببن أرجاء محكمة تاقت نفسي لزيارتها كثيراً منذ أن كنت طالباً بكلية الحقوق وحتى أصبحت قاضياً أحدث نفسي بأحكامها وكذا بأحكام قرينتها محكمة النقض المصرية ولما لا وقد قالت هذه المحكمة يوماً ومازالت تقول: " ان هذه المحكمة تكفل حقوق الإنسان وحقوق أسرته وكل ما يحمى كرامته.."
Ce tribunal garantit les droits de l'homme et les droits de sa famille et de tout ce qui protège sa dignité.
لم تخطئ قدماي الطريق عندما أخذتني إلى هنا دون خارطة. إن طريقاً إلى العدل هو عين الصواب.
هكذا باريس دائماً تدفع بك إلى الجمال دفعاً ربما كانت في الأصل إغريقية الصنع فهذه مبانيها تتحدث الإغريقية أو ربما كانت رومانية الهوى فهذه قوانينها تتحدث اللاتينية وربما كانت شرقية تحفظ كنوز الحضارة لكنها في النهاية تبقى كما هي .. !