عام على تجديد دار الإفتاء بقيادة المفتي نظير عياد
شهدت دار الإفتاء المصرية خلال العام الأول من تولي فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد منصب مفتي جمهورية مصر العربية، نقلة نوعية كبيرة أكدت بوضوح الدور المتصاعد للمؤسسة في ضبط الخطاب الديني، وتجديد آليات العمل الإفتائي، وتوسيع نطاق الحضور المؤسسي والمجتمعي داخليًّا وخارجيًّا. وقد جاء ذلك منذ أن أصدر فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًّا في 11 أغسطس 2024م بتعيين فضيلته مفتيًا للجمهورية، ليباشر مهام منصبه رسميًّا اعتبارًا من 12 أغسطس من العام نفسه، حاملاً رسالة سامية تهدف إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتقديم الفتوى المنضبطة كأداة لترسيخ الاستقرار الاجتماعي والفكري والديني.
وخلال هذا العام، أصدرت دار الإفتاء ما يزيد على مليون فتوى متنوّعة، توزعت بين الفتاوى الشفوية المباشرة التي بلغت نحو 450 ألف فتوى، والفتاوى الإلكترونية عبر الإنترنت التي اقتربت من 400 ألف فتوى، إلى جانب الفتاوى المكتوبة والهاتفية. وقد شملت هذه الفتاوى مختلف مجالات الفقه الإسلامي، من الأحوال الشخصية، والمعاملات المالية، والقضايا الأسرية، والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعكس حجم الإقبال الجماهيري الكبير على خدمات الدار وثقة الناس في مؤسستها الرسمية، فضلًا عن قدرتها المتزايدة على التعامل مع القضايا الشائكة والمعقدة التي يطرحها الواقع المعاصر.
وفي سياق مواجهة الفوضى الإفتائية والتطرف الديني، اتخذت دار الإفتاء بقيادة فضيلة المفتي الجديد موقفًا واضحًا وحازمًا من القضايا الجدلية التي أثارت لغطًا واسعًا على الساحة الفكرية والاجتماعية. فقد أصدرت الدار بيانات وتصريحات مهمة لتصويب مسار النقاش العام، كان أبرزها التصدي لدعوات المساواة المطلقة في الميراث، والتأكيد على أن الميراث نظام تعبدي يقوم على نصوص قطعية الثبوت والدلالة، لا مجال للاجتهاد فيها. كما شددت الدار على حرمة التغني بالقرآن الكريم أو تلاوته على نحو يُفقده هيبته، محذرة من محاولات البعض إدخال الآلات الموسيقية في التلاوة بما يخل بحرمة النصوص. ومن بين هذه التصويبات أيضًا التحذير من خطورة ترويج الشائعات باسم الدين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتنبيه إلى أن الحشيش محرم شرعًا ولا يجوز تعاطيه أو تداوله.
أما على صعيد الحضور الميداني والمجتمعي، فقد نظمت دار الإفتاء بالتعاون مع الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف نحو خمسين قافلة دعوية جابت مناطق متفرقة، لا سيما في شمال سيناء والمناطق الحدودية، بهدف تعزيز القيم الإسلامية الوسطية، ونشر الوعي الديني الرشيد، وتحصين المجتمع من الأفكار المتطرفة، بما يواكب جهود الدولة في مواجهة الإرهاب وتعزيز الانتماء الوطني. وقد لاقت هذه القوافل صدى واسعًا بين الأهالي والشباب، الذين لمسوا حرص المؤسسة الدينية على التواجد بينهم ومشاركتهم همومهم اليومية.
وفي إطار التوسع الجغرافي نحو تحقيق لامركزية الفتوى، شهدت الدار خطوات ملموسة لتقوية شبكة فروعها بالمحافظات، حيث جرى تعزيز أنشطة فرع مطروح، وتطوير فروع الإسكندرية وأسيوط وطنطا، إلى جانب وضع خطط جادة لافتتاح فروع جديدة في محافظات كفر الشيخ والدقهلية والسويس. كما قام فضيلة المفتي بجولات ميدانية لهذه الفروع، والتقى بالمسؤولين المحليين، في رسالة واضحة على الاهتمام بضمان وصول الفتوى المنضبطة إلى مختلف الشرائح المجتمعية، والحد من الفتاوى العشوائية التي تنتشر في المناطق البعيدة.
ويُحسب لفضيلة الدكتور نظير عياد أنه لم يحصر دور الإفتاء في مجرد إصدار الأحكام الشرعية، بل عمل على تحويلها إلى مؤسسة أكثر انفتاحًا وتفاعلًا مع قضايا العصر، من خلال تطوير المنصات الإلكترونية والتكنولوجية، وتعزيز التواصل مع الداخل والخارج، والمشاركة النشطة في الفعاليات العلمية والدولية. فقد أكد في أكثر من مناسبة أن الفتوى الرشيدة هي جزء أصيل من مشروع بناء الوعي الوطني والديني، وأنها لا تنفصل عن الجهد العام للدولة المصرية في تعزيز الهوية الوطنية، وحماية المجتمع من التشرذم الفكري.
ومع مرور عام على قيادته لدار الإفتاء، يمكن القول إن تجربة الدكتور نظير عياد تمثل نموذجًا متكاملًا لتطوير المؤسسات الدينية الرسمية، إذ جمعت بين التجديد في الوسائل، والانضباط في المحتوى، والحضور الفاعل في المجتمع، وهو ما جعل الفتوى المصرية أكثر قدرة على التأثير الإيجابي داخليًّا وخارجيًّا، وأقرب ما تكون إلى نبض الناس وقضاياهم اليومية.