ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

قد يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى سؤال محوري: ما الذي يميز جريمة الكسب غير المشروع عن غيرها من الجرائم الوظيفية كالاختلاس والرشوة والتربح والغدر والاستيلاء وتسهيل الاستيلاء؟ وهل نحن بصدد جريمة قائمة بذاتها أم مجرد صورة مكررة للجرائم التقليدية التي يعرفها القانون الجنائي؟ ثم كيف يمكن التفرقة الدقيقة بين هذه الجرائم إذا كانت جميعها تدور حول فكرة واحدة هي الاعتداء على المال العام أو الإضرار بنزاهة الوظيفة العامة؟ وأخيرًا: هل يتفق تجريم الكسب غير المشروع مع المبادئ الجنائية المستقرة كقرينة البراءة، أم أنه يمثل استثناءً على تلك القواعد حمايةً للمصلحة العامة؟

هذه التساؤلات تمثل مدخلًا ضروريًا لفهم خصوصية هذه الجريمة، إذ لا يكفي أن ننظر إليها كأحكام جامدة في نصوص القانون، وإنما ينبغي أن نتأمل فلسفتها العميقة باعتبارها وسيلة لصون الثقة في الدولة ومؤسساتها، وردع الفساد المستتر الذي لا تكشفه الأدلة التقليدية.

لقد استقر المشرع المصري، بموجب القانون رقم 62 لسنة 1975 وتعديلاته بموجب القانون رقم 97 لسنة 2015. بشأن الكسب غير المشروع، على أن هذه الجريمة تقوم على واقعة تضخم الثروة لدى الموظف العام أو من "في حكمه" بما لا يتناسب مع موارده المشروعة، على نحو يثير شبهة استغلاله لوظيفته أو نفوذه. وهنا يكمن الفارق الجوهري بينها وبين الرشوة؛ فالأخيرة تفترض وجود اتفاق إرادي بين موظف عام وصاحب مصلحة على تقديم منفعة نظير القيام بعمل أو الامتناع عنه. ولو تصورنا موظفًا في جهة إدارية يطلب مبلغًا ماليًا مقابل تسليم رخصة بناء، فإننا أمام جريمة رشوة مكتملة الأركان محددة الزمان والمكان. أما الكسب غير المشروع فلا يتطلب واقعة بعينها، بل يكفي أن يظهر تضخم في ثروة الموظف لا يجد له تفسيرًا مشروعًا، كأن يتبين بعد سنوات أنه يملك فيلات وسيارات فارهة وحسابات مصرفية ضخمة تفوق دخله بأضعاف مضاعفة.

ويبدو الفارق أكثر وضوحًا عند مقارنته بجريمة التربح المنصوص عليها في المادة 115 من قانون العقوبات، إذ يتحقق التربح عندما يستغل الموظف سلطته في إبرام عقد أو اتخاذ قرار يحقق لنفسه أو لغيره ربحًا غير مشروع. فلو أبرم موظف عام عقدًا حكوميًا مع شركة يملكها أحد أقاربه محققًا لنفسه منفعة مالية، فنحن أمام جريمة تربح. بينما الكسب غير المشروع لا يشترط إثبات الفعل الإيجابي المحدد، بل يكفي أن تنكشف النتيجة المتمثلة في ثراء غير مبرر.

أما الغدر، المنصوص عليه في المادة 114 من قانون العقوبات، فيقوم على واقعة مادية مباشرة تتمثل في تحصيل الموظف رسومًا أو مبالغ غير مستحقة من المواطنين، أو فرض ما يزيد على المستحق قانونًا. وهنا يكون الإثبات ميسورًا لأن الجريمة محددة الوقائع.

وفيما يتعلق بالاختلاس والاستيلاء وتسهيل الاستيلاء، فإن التفرقة الدقيقة بينها ضرورية لفهم مكانة الكسب غير المشروع بينها. الاختلاس، وفق المادة 112، يعني أن يضع الموظف يده على مال عام كان في عهدته بسبب وظيفته ثم يتملكه، مثل أمين خزينة يقتطع من الإيرادات اليومية. أما الاستيلاء، المنصوص عليه في المادة 113، فيتعلق بمال لم يكن في حيازة الموظف أصلًا، لكنه يضع يده عليه دون وجه حق، كموظف يقتحم مخزنًا لا عهدة له فيه ويأخذ محتوياته. أما تسهيل الاستيلاء، المنصوص عليه في المادة 113 مكرر، فيقع عندما يستخدم الموظف سلطته أو موقعه لتمكين الغير من الاستيلاء على المال العام، كما لو منح مقاولًا مستندات مزورة تتيح له الحصول على بضائع الدولة. هذه الجرائم جميعًا تقوم على واقعة مباشرة يمكن تحديدها وإثباتها. لكن الكسب غير المشروع يقف على مسافة مختلفة، فهو لا ينشغل بالواقعة المحددة بل بالنتيجة المجمعة التي تكشفها السنوات، حين تتكشف ثروة ضخمة بلا مصدر مشروع.

ومن الخصائص المميزة لهذه الجريمة نظام الإثبات الخاص بها، الذي يمثل خروجًا على القاعدة العامة في الإجراءات الجنائية. فالأصل أن النيابة العامة هي المكلفة بإثبات الجريمة، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. غير أن المشرع ألزم الموظف العام بتقديم إقرار بالذمة المالية وتفسير مصادر ثروته إذا ظهرت عليه علامات الثراء غير المبرر. صحيح أن عبء الإثبات النهائي يبقى على النيابة، لكن الموظف لم يعد في حلّ من الصمت إذا وُوجه بوقائع ثروة لا يجد لها تفسيرًا. وقد أثار هذا الاستثناء جدلًا فقهيًا واسعًا بين من رأى فيه مساسًا بقرينة البراءة، ومن اعتبره ضرورة ملحّة لمواجهة الفساد المستتر الذي يصعب ضبطه بالوسائل التقليدية.

موظف يتقاضى راتبًا لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات شهريًا، ثم يتبين بعد سنوات قليلة أنه يملك عقارات فاخرة وسيارات وحسابات مصرفية ضخمة. قد تعجز النيابة عن إثبات واقعة رشوة أو اختلاس بعينها، لكن قانون الكسب غير المشروع يمكّنها من مساءلته عبر إلزامه ببيان مصادر ثروته، فإذا عجز قامت القرينة على أن هذا الثراء وليد استغلال غير مشروع لوظيفته.

ولا يقتصر الاهتمام بجريمة الكسب غير المشروع على مصر، بل هو توجه عالمي تؤكده اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 التي نصت على ضرورة تجريم الإثراء غير المبرر باعتباره أداة فعالة لملاحقة الفساد المستتر. وهو ما يعكس إدراكًا دوليًا بأن الفساد لا يُقاس فقط بوقائع الرشوة أو الاختلاس المباشر، وإنما بآثاره المدمرة على المال العام والثقة العامة.

ويجب التفرقة في هذا السياق بين الكسب غير المشروع كجريمة جنائية، وبين دعوى الإثراء بلا سبب في القانون المدني. فالأولى تنطلق من شبهة الفساد واستغلال الوظيفة العامة، بينما الثانية تستهدف إعادة التوازن بين الأفراد إذا تحقق إثراء أحدهم على حساب الآخر دون مسوغ مشروع. ومن ثم فإن الخلط بينهما يفرغ النصوص من مضمونها ويشوّه غايتها.

الكسب غير المشروع في النهاية ليس مجرد نص جنائي إضافي، وإنما هو رسالة تشريعية عميقة تستهدف حماية نزاهة الوظيفة العامة من خلال معالجة الفساد المستتر الذي لا تكشفه الأدلة التقليدية. غير أن فعاليته تظل رهينة بحسن التطبيق وعدالته؛ فالقانون مهما بلغت دقته قد يتحول إلى أداة تعسفية إذا لم يُطبق بروح العدالة والشفافية.

ومن هنا فإن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في وجود النصوص، بل في خلق ثقافة نزاهة عامة، وتعزيز الرقابة المؤسسية والمجتمعية، وإحياء الضمير المهني للموظف العام. فإذا كانت البداية قد طرحت سؤالًا عن خصوصية هذه الجريمة بين غيرها من الجرائم الوظيفية، فإن الجواب يتضح الآن: الكسب غير المشروع ليس ظلًا لها ولا تكرارًا لنصوصها، بل هو مكمل لها وسياج يحمي المجتمع من "الفساد الصامت". وهو في جوهره تعبير عن معركة بين المال العام كأمانة وبين استغلال الوظيفة كوسيلة للثراء. فإذا نجح القانون في حماية هذه الأمانة كان أداة للعدل، وإذا تعثر تطبيقه انقلب إلى سيف معلق على الرقاب بلا جدوى. وهكذا تبقى الرسالة الأعمق أن نزاهة الوظيفة العامة لا تُصان بالنصوص وحدها، وإنما بروح القانون وثقافة النزاهة التي تجعل الوظيفة العامة تكليفًا وواجبًا لا طريقًا للثراء. والله من وراء القصد.

تم نسخ الرابط