ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في ثمانينيات القرن الماضي كان من آل الأكرت زُمرة من الأيفاع يتنقّلون بين قاعات الجامعة كما يتنقّل النحل بين الزهر، لا يتنسّم غير الشهد ولا يتذوّق غير الرحيق، وكان بينهم فتى متقد القريحة، حاضر البديهة، طلق اللسان في تحفظ، متوفّز الحس في سكون، أُشرب في قلبه عبد القاهر، وحلّت من بحوثه محل الغرض من السعي والغاية من الحياة.

كان سفراه الرائعان دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة أشبه بعروق الذهب في مناجم إفريقيا، يبدو الواقف عليهما كالواقف على مَغِيضٍ بَقيعة، يحتاج الظامئ لاغترافه إلى أناة ورويّة وحذر في زحزحة الصخور قبل أن يتحلّب ريقه ولا يجد ما يقيم الأود ويشفي الغلة.

كان التراث البلاغي يومئذ يحلم بباحث يكون كالمصرفي الخبير في البنك المركزي، تفيض يداه في السحب والإيداع ذهبًا وفضة، وهذا الباحث لا يرشّح نفسه، ولكن هذين السفرين هما اللذان يرشحانه.

كانت قراءة التراث –وما تزال– قوسية يمثلها “كنتيون”، ما إن ينهضوا لينطلقوا من الماضي إلى الحاضر حتى يتخندقوا ويتشرنقوا ويتقوّسوا حوله، يظنّون أنهم بذلك يفرزون عليه قشرة ذاتية تقيه عين الحداثيين، فإذا حان وقت الفخار نفروا خفافًا وثقالًا وقالوا: كنا وكان آباؤنا، فلم يزدهم ذلك إلا ما يزداده الرماد البارد إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف، فقال يفاخرها: كنت بالأمس جمرة موقدة.

ثم يزداد نشوقهم معطسًا إذا ابتُعث أحدهم، فإذا به يرغي ويزبد كجمل القذافي وراء خيمته أمام قصر الإليزيه، كلما بدت عليه الصيعرية استنوق واستجملت ناقته، وفرّ جماله وترك الجمل وما حمل، كالمال اللقطة يعبث به اللاقط عبث السفيه بالمال المتروك.

كان السؤال يومئذ: أتكون الأسلوبية بديلًا عن النقد الحديث ووريثًا شرعيًا للبلاغة الجرجانية؟ كان “الكنتيون” في نفيهم أغفل من أبي غبشان سادن الكعبة، أسكره قصيّ بن كلاب بكأس دهاق واستلب منه مفاتيحها. وهذا ما فعله “البلاغيون الجدد”، فقد كانوا في إجابتهم بالإيجاب أعجل من نافخ الكير، يجلس أعلى الريح يتعجّل القدح فيلفح وجهه ويزكم أنفه ويحرق أصابعه وثيابه، ويكون الدخان من نصيبه.

لحظ طيب الذكر صديقنا الدكتور عادل أن ثنائية الغفلة والعجلة تنمّ عن خطلٍ يعقد المسألة ويجعلها كذَنب الضب، ويجمّد المعالجة ويجعلها كذَنب الحمار لا يطول ولا يقصر. فأحدهما في قراءته القوسية يكتفي بالمرابطة حول الماضي ليستنسخه ويكرّره، ويكون امتدادًا له دون محاولة لتمشيطه وتنشيطه، وهذا لا يصحّ إلا إذا صحّ أن السحاب الثقال التي أمطرتنا اليوم هي ذاتها التي أمطرت آباءنا الأولين، ولا يقول بهذا إلا مُعتلّ الآخر، أجوف العين، ممنوع من الصرف، لا محلّ له من الإعراب على لغة من ينتظر ومن لا ينتظر.

وأما الآخر ففي قراءته السهمية كان ينطلق من الماضي إلى الحاضر ليلقف ما يأفكه ويقحمه دون تطعيمه وتقليمه، وبين القراءتين قراءة ثالثة تأخذ من أحدهما قطرات، ومن الآخر ومضات، ودون ذلك يظل طريقهما كطريق الحفاة إلى أصحاب النعال، لا يقنعون من العشبة بالخوصة وإنما يرون في كل عشبة آثار رَعْي. ويظل نتاجهم كحانوت الإسكافي فيه من كل جلدة رقعة، وهذا يزحزحهم وإجاباتهم عن الأولية والأولوية ويقلب الأوضاع والانطباع، فيصير قعيد الفلك حابي الدرج، ويصبح طريقه طريق الأقرع بن حابس إلى أصحاب القلانس، وتصبح نجوميته كالأسهم النارية في سماء التشريفة: فرقعة ولألأة ثم انطفاء وهبوط.

ولم يكن ينقصه لتفعيل ذلك سوى باحث يبرز إلى الميدان ويترجم الأسرار والدلائل. وظل يصدع بذلك ما أسعفته الحنجرة، ويكتب ما أمدّه المداد، ولكن لأن خمر أبي الروقاء لا تُسكر، فليس مع البرق اللامع مُستمتع، فقد ارتدّ رأيه كالصوت الأصمّ لا يرجعه صدى. فالبيروقراطية يومئذ كانت ضيّقة الحوصلة، لا تُسقط من كفها خردلة، ولا تبلّ إحدى يديها الأخرى، ولذا ظلّت دعوته كالمُصحر وسط العاصفة، لا يتبيّن نسما لطريق ولا يجد وجهًا لغاية، وظلّ كمن يتجشّأ من غير شبع، كالحادي وليس له بعير.

حتى فطن الباكستانيون إلى قيمة رؤيته فأقبلوا إليه يزفّون، لعلّهم يُحْطِبونه في غابتهم أو لعله يُحْطِبهم في حبله، فكانت الأخيرة، فقد لبث فترة إعارته يصل المصباح بالصباح، يبيضّ الكتب الصفراء، ويهذّب المخطوطات الشعثاء، وأنفاسه الطيبة تتصاعد تصاعد البخور من مجامر الطيب، والعرق البارد يتألّق على جبينه السامف كما يتألّق الفجر الصادق في هوادي الليل، حتى أخرج سلسلة من المحاضرات جلَت غيهبهم الكثيف عن وجه النهار، وأنارت طريقهم المخيف إلى أمان الغابة.

وكان حقّ ما بُدئ بمسك أن يُختم بعنبر، فلما انتهت إعارته أغروه بالاستقالة من جامعته والبقاء إلى حيث التينة تنظر إلى التينة فتيْنَع، ولكنه آثر العودة إلى جامعته في أرضه وروضه ليُكمل مشروعه، ويصل ما انقطع من المودّة، ويقوّي ما وَهَن من الأسباب، ولكن القدر استأثر به فبلغه منيّته قبل أن يبلغ أمنيته، بعد أن أوصى ابنه أن يكون امتدادًا له وأن يواصل مشروعه الذي فرغ له عزم الشباب وصبر الكهولة.

كان آخر عهدي به شهرًا قبل رحيله، وكان من الأعياء كأعواد القمح إذا حان حصاده وتهالك بعضه فوق بعض، ولم يعد يقوى على حمل سنبله. وتشاجن بنا الحديث حول توجهي الفسيونيورولوجي في دراسة العقل الإبداعي، وكان مأخوذًا بها وحضر إحدى جلساتها في صالوننا الثقافي. فلما انتهى بنا شجن الحديث قلت تمنَّ، وظننته سيطلب أن أرثيه قبل موته، فإذا هو يتمنى عليّ دراسة فسيونيورولوجية لدماغ عبد القادر، وكنت قد جمعت مادته ووعدته، فقال: ليتني أكون حيًّا إذ تنجزه.

وإذا الدنيا كما نعرفها فالموت لا يجامل حيًّا. وأنا إذ أتذكره اليوم فإنما أذكر بالشرف والفضيلة والعالمية إنسانًا كان في محيطه الأكاديمي لسانًا نظيفًا، وعقلًا حصيفًا، وقلبًا عفيفًا، وروحًا شفيفًا، وباحثًا أرقّ من النسيم في الرقّة، وأدقّ من الفكر في الدقّة. ولم يشأ أن يكتب اسمه في كتاب الموتى، ولكن في سجلّ الخالدين.

طيّب الله بالرضوان ثراه، وأنزله منازل الأبرار، وبارك في ذريته، وجعل روحه للخلد، وذكراه للخلود

تم نسخ الرابط