ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بعد حصولها على دكتوراه الدولة في الهندسة وعودتها من البعثة، فوجئت بتعيينها مدرسًا وليس أستاذًا مساعدًا، بينما تم تعيين زميلتها في البعثة والدرجة أستاذًا ثم عميدة ومقررًا للجنة العلمية.

 ولما اعترضت، قيل لها: ما جدوى أطروحة في الهندسة الصناعية على مجتمع تمشي جرذانه على العصا؟

فأسرت ذلك في نفسها، وكرهت أن ينتقصها من يجهل قيمتها ولا يعرف عن بحوثها إلا ما يعرفه أطفال الحضانة عن اللوغاريتمات. 

فنظرت إليه نظر المغشي عليه، وراحت وهي تقلب كفيها تقارن بين ما كانت عليه في البعثة، حيث كان يُوزن اسمها بالذهب ويُعلَّق على قبة الجامعة، وبين مستقبلها في وطنها، حيث يُعلَّق اسمها على باب زويلة ويُقرأ عليه ما قرأه دانتي على أبواب الجحيم، لتبلغ منيتها قبل أن تحقق أمنيتها.

وعزَّ عليها أن يضيع جهدها مع “المهدر الفكري”، وتظل الحظوة لـ”أعقام الفكر” و”أعزاب الخبرة”، حيث تُرفع لهم درجات القبول فينطق البكيء، وتُقصر مسافة الرهان فيلحق البطيء، ثم يُسمى الفَدِم ذكيًا والجاهل عبقريًا، ويصير وصيًا على من لا يبلغ مداه ولا نصيفه، ويقف من بحوثه موقف الصائد من الطرائد، ومن ترقيته موقف القَيّم السفيه من المال المتروك، ويعبث بمستقبله عبث الهوى المتحكم بقوانين العدالة.

تشير بذلك إلى محنة أستاذ الجامعة، يدخل معمله معيدًا طرير الشباب ريان الأمل، ثم يودعه بعد أن وُغرت عيناه وتخددت وجنتاه، وعليه أن يقضي عشرة أعوام وظيفية قبل أن يحصل على الأستاذية.

 وقد يقع تحت أنياب من يظنه أعدل من الميزان وأشجع من بني مروان، وهو أعتي من قراقوش، وأخدع من صانع الفنكوش، وأجور من قاضي سدوم. وعندئذ يُخلى له وجهه ليبيض ويصفر، ويُخلى له جوفه لينقر ما شاء، ويُعبث بمستقبله عبث الهوى.

وبعد أن يُعري أفراس الصبا ورواحله، يقال له ما قيل للملأ من قبله: حللت أهلًا ونزلت سهلًا. ويصبح أملًا غير واجد، إلا أن يكون عمودًا في مسجد أو مقعدًا في مقهى. وقد تصيبه وعكة صحية فلا يُسأل عنه، ويدركه أصدق المواعيد، فيكون جزاؤه نعيًا لا يُنصف، ومثوى لا يُعرف، وذكرى لا تدوم.

ومما زاد الطين بلة أن الأقدمية تُقدَّم على الأعلمية، وليس هذا من المنطق، وإلا فكم سبق العروسَ خاطبٌ عاطب، وتقدم الصباحَ فجرٌ. 

عندئذ مضت باخعة نفسها أسفًا ألا تكون العلمية معيار الأولوية في تولي المناصب القيادية وعضوية اللجان العلمية، كيلا تجد قزمًا يطاول عملاقًا، ونسناسًا يتنطط على غصن شجرة يستظل تحتها أسد. ويتصدر المشهد من ليس له في علمها شوب ولا روب، وكل مؤهلاته حظ في السحاب وعقل في التراب، وقد اتبع من سُلبت عيناه ووُضعت على فمه كمامة.

في ظل بيروقراطية تجيد صناعة القلق بتقارير أمنية، وأقدمية تُقدَّم على أعلمية، ولوائح ضيقة الحوصلة لا تسقط من كفها خردلة، ولا تُبل إحداها الأخرى، وكتاب إلكتروني موحد يجعل المرء بدرهميه لا بأصغريه، وعليه أن يتجمل ويصبح أمام المجتمع كعاطٍ بغير أنواط، يتجشم بلا شبع، ويحدو وليس له بعير. 

كتبت ما أمدها به المداد، وصرخت ما أسعفتها به الحنجرة، ولكن كان كالمصوّت في المغارة لا يسمع إلا صداه.

والمميزون في هذه الحالة، إن ملكوا وَقْر الآذان، لا يملكون سِدْر العيون ولا خدر المشاعر. 

فأيقنت أنها في مجتمع الغابة الذي تحدث عنه لافونتين. فبدلًا من أن تنعي حظها وتنثر على علمها دموع الخنساء، وعلى بحوثها تشاؤم أبي العلاء، حسمت أمرها.

ويقضي ليالي وأيامًا في فنادق السبعة نجوم لم يقضها في الجنة عنز من أعناز سيجان ولا نعجة من نعاج داوود. ملكوا له الصبر والكظم، فلن يملكوا له النسيان والمغفرة.

 وعندئذ يقدم استقالته ويطلب اللجوء العلمي، ويركب زورقه وينشر شراعه، في عقله بوصلة وفي يده خارطة، ويترك لهم البحر رهوا، ويرسي على الشاطئ الغربي حيث أناسيه ملائكة، وصحراؤه فراديس، وميزانيته تطبع اسمه على جباه القرون، وترفع رسمه على قباب الجامعة.

وكان استقباله مظاهرة علمية فيها الحب والإجلال، وفيها معنى أسمى من كل هذا، وهو شعور أساتذة الجامعة أنهم يستقبلون فرعًا من أصلهم، وجزءًا من أهلهم، وريحانة من روح مصر، حملت عبء الليالي عن بني وطنها.

تم نسخ الرابط