ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

قرأت قديمًا في كتاب الطبقات الكبرى للشعراني، أن أحد الأولياء كان جالسًا يأكل في دجاجة، فجاء ولده فاعطاه منها وقال له: خذ مؤخرة الدجاجة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب مؤخرة الدجاجة، فلما سمع الفتى ذلك، قال لأبيه: إنها قذارة.! 
لما سمع الأب هذا الكلام، كان بجواره سيف، فلم يدر إلا وهو يمتشقه ويهوي به على عنق ولده. 
وعلى قدر قسوة الموقف وعنف العقاب، وخروجه عن المنهج النبوي في محاسبة المخطئ، وعلى يقيني أن مثل هذا الموقف ربما يكون من المدسوسات على طبقات الشعراني، إلا أنه يعلمنا في المقام الأول قدسية مقام النبوة، وحرمة الجناب المحمدي، وأن مجرد اسم النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر، فلابد من الخشوع والخضوع والإعظام والإكرام، لقد قال الله تعالى له: ورفعنا لك ذكرك، وهكذا حينما يذكر رسول الله أو شيء من خصائصه، فلابد أن تنال الرفعة من نفوسنا. 
لقد استرعبت واستوحشت هذا القول النكر من الفتى الذي صعد المنبر، وخانه التعبير، وتلفظ بجملة تنهد لها الجبال هدا، فقال:  عن يوم المولد النبوي الشريف:  يوم منيل بستين نيلة.. ويعلم الله أنني لو كنت حاضرا لأنزلته من على المنبر صاغرا وما سمحت له أن يكمل، وربما لطمته لطمة أو لطمتين، لأن الفتى لم يكن قوله مجرد خطأ وتسرع، وإنما قدم البرهان على أنه لم يتأدب بعد، وأولى به أن يتعلم التربية ويستلهم التزكية قبل أن يصعد المنبر.
ومن يجن إثم هذا الحدث الغر الذي جاء بآبدة، هم من صدروه للمنير، وألبسوه العمامة، وأفهموه أنه داعية، هم وحدهم من يتحملون وزر هذا الإفك والسوء. 
وهذه هي المشكلة التي نعانيها من بعض التيارات التي تنتسب إلى التدين، وتدفع فتيانها لتصدر المنابر قبل أن ينالوا قسطا من التربية القويمة، وهو نفس الحال حينما تناقش أحدهم لتجده القمة في التطاول والوقاحة وقلة الأدب، ولعل المنبر يكون أكثر تحجيما لأمثال هؤلاء، فلا تظهر على أمثالهم وقاحتهم المتأصلة، بقدر ما تتأجج وقت الحوار.
إن فقدان التيارات الإسلامية وبعض شبابها لمعالم التزكية الحقة، أفقدها كثيرا من جوهر الدعوة وثمرة التدين، وكيف لداعية يدعو الناس، ويقول: إنني أمثل الإسلام، ثم يكون قبيحا سبابا شتاما؟
أولى به أن يدعو نفسه ابتداء ليلتزم أدب النبوة. 
كانت هذه الوقاحة قديما تتفشى في بعض غلمان التيار السلفي، ومعروفة في كثير من أتباعه، لكنها اليوم صارت عدوى وأكثر تفشيا في غلمان الصوفية، الذين يزعمون أنهم معقل التزكية ومعينها الأصيل، ثم إذا حاورت أحدهم وخالفته، تنزاح الستائر عن وحش حقير، ومارد سافل، لم تر مثله في البشاعة والوضاعة والانحدار. 
المنبر له قدسه واحترامه، ولا يجب أن يرتقيه إلا مهذب مؤدب واع عالم، ولا يمكن أبدا أن يكون ميدنا لأغيلمة لا فقه لهم ولا رشد، يسمعون الناس الطيش، ويعلمونهم السب والشتم. 
لقد نهينا عن سب الدهر، ولولا ذلك لكنت لعنت اليوم الذي جاء فيه غلام أحمق يسمعنا مثل هذا الكلام. 
لقد وقفت أتأمل، ولم استطع التحمل، وقلت في نفسي: كيف استطاع نطقها؟ لله ما أبشعه.! 
والمصيبة أنه على المنبر سفينة الهدى ومنارة الرشاد.. وإذا كان التطاول على المولد المحمدي بهذه الصورة، وهو ما ينكر الفتى الاحتفال به ويجعله بدعة، فكيف به إذا اختلف مع إمام من الأئمة في حكم من أحكام الفقه والدين؟
لا شك أنه سيكون أكثر فجاجة وتطاولا وقبحا وتهجما. 
لكم تمنيت ان تكون للتربية شهادات ودرجات كما للتعليم، حتى لا يتصدر المنابر إلا من نالها وتفوق فيها، لأننا نحتاج إلى تربية الناس قبل تعليمهم.

تم نسخ الرابط