لم يكن مصطلح “كليات القمة” في مصر يومًا مصطلحًا علميًّا أو رسميًّا في لوائح التعليم العالي، بل هو تعبير مجتمعي وإعلامي وُلد مع تطبيق نظام مكتب التنسيق في خمسينيات القرن العشرين، حين ارتبط القبول بالجامعات بمجموع الدرجات في الثانوية العامة.
بدأت الحكاية مع كلية الطب، ثم انضمت إليها كليات أخرى مثل الصيدلة وطب الأسنان والهندسة والاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام، حيث كانت جميعها تطلب أعلى مجموع، وكان الإقبال عليها أكبر من عدد مقاعدها المتاحة. ومع مرور الوقت ترسخ في وعي المجتمع أن الالتحاق بهذه الكليات هو دليل التفوق وبلوغ “قمة” الهرم التعليمي.
كيف تعزز المصطلح؟
• القيمة الاجتماعية: ارتبطت هذه الكليات بالمكانة الرفيعة والوظائف المرموقة.
• الإعلام والدراما: ساهمت الصحف والبرامج التلفزيونية في ترسيخ الفكرة، بتسليط الضوء على أوائل الثانوية الذين التحقوا بـ”كليات القمة”.
• الفرص الوظيفية: حتى التسعينيات، كان خريجو هذه الكليات يضمنون التوظيف الحكومي أو مركزًا اجتماعيًا متميزًا.
تاريخيا: تم تأسيس الجامعة الأهلية (1908):
بدأت الجامعة كمبادرة وطنية بتمويل من تبرعات المواطنين برعاية ملكية، وكان الهدف منها رفع مستوى التعليم في مصر.
ثم تم تأسيس الجامعة الحكومية (1925):
ثم صدر مرسوم بقانون لإنشاء الجامعة الحكومية باسم "الجامعة المصرية"، حيث تم دمج المدارس العليا الحكومية لتشكل نواة الجامعة.
ثم تغير اسمها الى جامعة "فؤاد الاول" عام 1940م ،
وقد انضمت مدرسة الطب الي الجامعة المصرية في1925 ووافق البرلمان في 1928 علي ميزانية انشاء مستشفي فؤاد الأول (المنيل الجامعي الآن) وسميت المدرسة كلية طب قصر العيني،
وقد حدّثنا أستاذنا الراحل الأستاذ الدكتور لطفي نصار – اول رئيس لقسم جراحة التجميل بطب بنين الأزهر وصاحب أول رسالة دكتوراه حول مشروعية جراحة التجميل بعنوان “الجراحة التجميلية بين الحلال والحرام” – عن رواتب اساتذة الجامعة كيف تم حسابها؟.
فقد ذكر لي ولكل الزملاء مرارا؛ حكاية العهدة فيها على روايته رحمه الله؛ أنه يقول: حين افتتحت الجامعة المصرية أرادوا وضع قيمة لمرتب اساتذة الجامعة، وبعد تفكير وتشاور فحص الأمر بعناية ومقارنة بالوظائف المتاحة بالديوان الحكومي، فجرى الاتفاق على أن مرتب الأستاذ الجامعي يجب أن يكون مساويًا لمرتب المعلم الذي يدرس للطلاب في المدراس +القاضي بدرجاته المختلفة؛ لأن الأستاذ الجامعي يعلّم، كما معلم المدارس، وفي الوقت نفسه يحكم على الطلاب ويُقيّمهم كما يفعل القاضي في قاعة المحكمة( إذ لم يكن بالجامعة نظام الكنترول الحالي، بل كان الاستاذ المعلم والممتحن والمقيم للنتائج). ومن هنا جاءت المساواة بين الدرجات الأكاديمية (معيد حتى أستاذ) والدرجات القضائية (مساعد نيابة حتى قاضي " وكيل محكمة " استئناف وهي اعلى سلطة قضائية)إضافة الى راتب معلم المدارس.
ثم لما ضمت "مدرسة الطب" كلية الطب، أضيف بُعد آخر؛ فالطبيب لا يقتصر عمله على التعليم، بل يقدم أيضًا خدمات طبية وجراحية. لذا قُرر أن يجمع راتب أستاذ كلية الطب بين راتب الأستاذ الجامعي (المساوي للقاضي ومعلم المدارس) مضافًا إليه ما يعادل راتب الطبيب العامل في الصحة العمومية. وهكذا ترسخ في الوعي الجمعي أن الطب هو كلية القمة الأولى، ومنها اتسع المفهوم ليشمل كليات أخرى.
ثم لما تم تنظيم أمر العيادات الخاصة كان للأطباء دخل إضافي ، فكان الطب من اكثر المهن وجاهة اجتماعية ومصدر للغنى المادي بين طبقات المجتمع.
وهنا امر يفتح أبوابا لأحاديث جانبيه collaterals ليس مجالها هنا.
و احتراسا من المتربصين والمغرضين والمزايدين
taking into account those who may be hostile, biased, or seeking to exploit or overstate the matter!!
فما ذكرته هنا عن طريقة احتساب الرواتب في الجامعة المصرية قديمًا، ورغم أني لم أعثر على نص مكتوب يوثق هذه الرواية، ولم يصل إلى علمي سند موثق أو نقل متواتر لها من أي مصدر رسمي، ورغم أن العهدة فيها على راويها، إلا أنني أوردها كنموذج للتفكير الذي كان سائدًا آنذاك: كيف كان المسؤولون يفكرون بجدية واهتمام، وبقدر من الموضوعية والاستراتيجية – قبل أن تُصاغ هذه المصطلحات ذاتها – من أجل إنجاح منظومة جديدة على المجتمع، وضمان انتظام مشروع الجامعة المصرية، وتحقيق رضا الأستاذ الجامعي بما يدفعه إلى بذل أقصى جهده لإنجاح هذه المؤسسة الوليدة.
وبالطبع، لا أعني هنا إسقاط هذا المثال على واقعنا الحالي، ولا المطالبة به لا تصريحًا ولا تلميحًا، إذ إن تحقيقه غير ممكن في ظروفنا الراهنة لأسباب متعددة، في مقدمتها اعتبارات الواقع الاقتصادي والظروف الجيوسياسية التي نعيشها. لكنني أستشهد به فقط من باب أن بالمثال يتضح المقال.
المهم؛ هل ما زال الأمر كذلك؟
وما حقيقته حتى بالقياس على امر واحد وهو الدخل المادي والاقتصادي للفرد والمجتمع في ظل التحولات التكنولوجية والرقمية والبحثية العالمية المتسارعة؟
مع تغير سوق العمل وظهور تخصصات جديدة، بدأ المفهوم يواجه نقدًا. لم يعد التفوق مرهونًا بالتحاق الطالب بالكلية الأعلى مجموعًا، بل بقدرته على التميز والإبداع في أي مجال.
واليوم، تبرز أمامنا تخصصات القمة المستقبلية مثل:
• الذكاء الاصطناعي
• الأمن السيبراني
• التكنولوجيا الحيوية
• البيولوجيا الجزيئية
• علوم النانو
• البيوانفورماتكس
هذه التخصصات تقود الثورة العلمية والاقتصاد القائم على المعرفة، والطلب العالمي على خبرائها يفوق بكثير ما هو متاح لخريجي بعض الكليات التقليدية.
الفرق الجوهري
• “كليات القمة” في مصر = مصطلح اجتماعي قديم ارتبط بالمجموع والوجاهة.
• “التخصصات الحديثة البينية” = قمة حقيقية من حيث الأهمية الاستراتيجية والجدوى الاقتصادية، حتى وإن لم تكن الأعلى في تنسيق الثانوية بعد.
مثال للتوضيح
• في التسعينيات: الطب والهندسة = القمة بلا منازع.
• في العقد الحالي: خبير في الذكاء الاصطناعي أو البيوانفورماتكس او باحث بيوتكنولوجبي قد يحظى بفرص ودخل يفوق ما يناله خريج الطب أو الهندسة.
والأهم من كل ما سبق، أن توجّه الحكومات – خاصة في مصرنا الحبيبة – لا ينبغي أن يقتصر فقط على فتح آفاق تعليمية جديدة وفق الآليات العالمية للتخصصات الحديثة، وهو بلا شك أمر عظيم ومقدَّر، بل يتطلب الأمر ما هو أعمق وأبعد: خلق بيئة اقتصادية وإنتاجية وبحثية جادة تستوعب هؤلاء الخريجين، وتوفر لهم فرص عمل حقيقية، كما هو الحال في أوروبا وأمريكا وآسيا.
فبدون هذه البيئة الحاضنة، سنكون أمام معادلة صعبة: تعليم حديث بلا تشغيل، ومعرفة بلا مردود. وحينها ستكون الخسارة مضاعفة: لا قمة في التعليم ولا فرصة في العمل. والأسوأ أن خريجي هذه التخصصات الجديدة – التي نراها “كليات قمة مستقبلية” – قد ينضمون إلى صفوف البطالة، لنعود إلى النقطة الأولى، حيث تبقى كلية الطب وحدها في نظر المجتمع “كلية القمة” بلا منازع
يمكننا أن نقول بثقة إن مصطلح “كليات القمة” قد نشأ من واقع تاريخي محدد، لكنه لم يكن يومًا حقيقة أبدية. فالمستقبل يفتح أبوابه لتخصصات جديدة تمثل القمة الحقيقية في العلم والعمل والابتكار، شريطة أن تكون لدينا حكومات واعية تمتلك استراتيجية واضحة، ورؤية بعيدة المدى، وخطة عملية دقيقة تتناسب مع عصر التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة.
فإن وُجدت هذه الاستراتيجية، فذلك هو الخير كل الخير .
وإن لم تكن، فها أنا أوجّه كلمتي لكل من له دور في منظومة التعليم الجامعي، بل والأهم في منظومة إدارة الدولة وفق رؤية التنمية المستدامة واقتصاد المعرفة.
إنني أدق جرس تنبيه مبكر: فالوقت ما زال يتسع للتخطيط والتنفيذ، على المدى القصير والمتوسط والطويل.
اللهم بلغت اللهم فاشهد.