لو قلت أنني مدين لهذا الصرح العظيم في تكوين عقليتي القانونية فلن أكون مبالغاً أبداً، بل على العكس تماماً هذا أقل ما يمكن أن أصف به امتناني وتقديري لكلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
لم تنقطع صلتي بهذه الكلية العظيمة، لمجرد أن تخرجت فيها بتقدير جيد جداً وكان الحصول على درجة امتياز وقتها غير متصور كما هو الآن.
أقول لم تنقطع صلتي بمحرابها، بل على العكس توطدت أكثر وأخذت منحى أرحب، فقد بات لزاماً علىَّ أن أبدأ في سداد الدين، وما تعلمته بالأمس كان علىّ أن أُعلمه اليوم. ليس فضلاً، بل واجباً يتفق وأصول العلم بالإضافة إلى ما يمليه الواجب الأدبي.
ولأنني تخصصت في القضاء الجنائي فكان المزج بين الواقع والقانون هو هدفي الأول، فلم أؤمن في وقت من الأوقات بأن هناك فارقاً بين الواقع والقانون أو كما يقولون بين النظري والعملي.
هذه مقولة مضللة، لأنها تعني ببساطة أن هناك خللاً، إما في النظري أو في العملي، جعلهما يتنافران والحقيقة غير ذلك أبداً.
تعلمت ثلاث قواعد هامة جعلتها منهاجي:
أولاً: أن أُرد الجزئيات إلى كلياتها التي ترجع إليها. هذا يرسخ الفكرة ويثقلها.
ثانياً: أن تكون لدىّ مهارة تفسير النص وهي عملية منهجية تترتب عليها نتائج هامة.
ثالثاً: أن تتوافر لدىّ مهارة الاستنباط.
( استخلاص ما هو غير ظاهر من النص. أو الوصول الى نتائج غير ظاهرة من مقدمات مطروحة وهو التعريف الذي قلت به)
هذه مبادئ منطقية كان لأستاذي الدكتور محمد زكي أو عامر رحمه الله الدور الأعظم فيها وهي الأسس التي بنيت عليها صرح القانون الجنائي الذي أنتهجته عملاً.
هنا أقف قليلاً عند خاطرتين أستأذن في طرحهما:
إحدى قضايا القتل العمد مع سبق الإصرار كان الأستاذ الدكتور فتحي سرور الفقيه الكبير وأستاذ القانون عبر أجيال يقوم بدور الدفاع فيها وتداولت القضية على مدار عام قضائي كامل ترافع فيها الأستاذ الدكتور عدة مرافعات وطرح فيها دفوع إجرائية وموضوعية هامة للغاية ثم كانت "الدفوع العلمية" كما أطلقت عليها وهي تتعرض لأمور فنية هامة للغاية وقد حررت أسباب هذا الحكم في ثلاثة وخمسين صفحة وصدر الحكم في تلك القضية بالسجن المؤبد. فطعن الأستاذ الدكتور بالنقض على الحكم وهو حجة في الطعن بالنقض وله مؤلف في هذا الشأن ثم جاء حكم محكمة النقض ليؤيد الحكم المطعون عليه لأسبابه ويرفض الطعن.
قرأت الحكم وكأنني لم أحرر أسبابه فوجدت أنني رصعته بفقرات من الفقه الجنائي وكان على رأس المؤلفات التي استندت إليها مؤلفات أستاذنا الدكتور محمد زكي أبو عامر وفيلسوف القانون الأستاذ الدكتور رؤف عبيد ثم كانت مؤلفات الاستاذ الدكتور فتحي سرور نفسه بالإضافة إلى مؤلف المستشار محمد فتحي في علم النفس الجنائي ومؤلف الأستاذة الدكتورة أمال مشالي في الطب الشرعي.
إنه التكامل بين العلم والوقائع.
بين النظرية والتطبيق.
وأما الخاطرة الثانية فكانت تتعلق بدفع طُرح في جريمة قتل كان المتهم يستقل أحد قطارات السكة الحديد وفجأة انتابته نوبة صرع فدفع أحد الأشخاص مجهولي الهوية إلى خارج القطار حيث كان يفترش الأرض ويعاني من بتر كامل لإحدى ساقيه وكان باب القطار مفتوحاً للأسف فلقى حتفه وتفرق جسده إلى أشلاء. كان الدفع يتمثل في أن نوبة الصرع قد أعدمت لدى المتهم الإدراك والإرادة وهما عماد المسئولية الجنائية لا سيما وأن يجهل شخصية المجني عليه تماماً الذي ساقه قدره إلى هذا المصير.
ولم نصل إلى أمر حاسم في شأن ماهية الصرع. هل هو اضطراب عقلي أم نفسي أم ماذا.
أتذكر قلت لزملائي: أنا أعلم أين أجد ضالتي، إنها هناك عند عالم القانون الأستاذ الدكتور رمسيس بهنام رحمه الله.
رجعت إلى مؤلفين هما: "علم الإجرام والعقاب" "والمجرم تكويناً وتقويماً" ووجدت ضالتي وكانت صفحة عن الصرع كفيلة بأن تسطر المحكمة أسباب حكمها ببراءة المتهم لإنعدام الإختيار والإرادة لديه وقت الفعل وقد وافقت النيابة العامة على الحكم فأصبح باتاً عنواناً للحقيقة.
إنها روح العلم التي تبث في الحكم القضائي غرساً مثمراً بالحياة.

كان من دواعي الشرف أن أكون على مدى طويل أحد المحاضرين بالعيادة القانونية التي أسند أول إشراف عليها إلى الأستاذة الدكتورة ميادة عبد القادر وقد استطعت في مجال القانون الجنائي أن أقدم شرحاً تطبيقياً مجسداً أمام الطلاب في صورة قضايا حقيقية.
مسيرة طويلة من تدريس مادة الإجراءات الجنائية حتى لا تكاد تخلو محاكمة جنائية من وكيل نيابة يمثل الاتهام أو محام يمثل الدفاع قد شرفت بالتدريس لهم
أيضاً لا أنسي الندوات العلمية التي كنت أقدمها مع أستاذتنا العظيمة الدكتورة أمال مشالي وكيف كانت تجسيداً حقيقياً للدراسة التطبيقية على وقائع حدثت بالفعل وكان لي شرف القضاء فيها وقد صارت أحكام باتة.
عند كل مرة أتشرف بدعوة الأستاذ الدكتور محمد الفقي عميد كلية الحقوق لحضور حفل الخرجيين يمر أمام عيني شريط طويل منذ أن جلست مستمعاً بانبهار إلى هؤلاء الأساتذة العظام:
دكتور سمير تناغو .. دكتور مصطفى أبو زيد .. دكتور برهام عطا الله ..دكتور أسامة الفولي .. دكتور رمضان أبو السعود
دكتور جلال العدوى ..دكتور مصطفى كمال طه .. دكتور ماجد الحلو .. دكتور السعيد الدقاق .. دكتور عبد المجيد الحفناوي .. دكتور محمد حامد دويدار .. دكتور الشافعي ودكتور أحمد فراج ..دكتور هشام صادق ..دكتور جلال ثروت .. دكتورة أمينة النمر ..ثم دكتور محمد زكي أو عامر صاحب الفضل الأكبر في تكوين عقليتي القانونية. هؤلاء من تشرفت بتلقي العلم منهم وهناك أجلاء آخرين بكل تأكيد يواصلون المسيرة بكل شرف وأمانة.

أتذكر كل هذا وبكل فخر حتى أتت لحظة تكريم عبد الله ومريم سامح عبد الله فشعرت بأن عنفواناً يدب بين أضلعي، فقد كانت لحظة تكريم لي قبل أن تكون تكريم لهم وهم المستقبل وزملائهم.
قلت لنفسي مداعباً:
كان ينقصنى تسع درجات حتى أحصل على درجة امتياز في الليسانس وقد حصل عليها عبد الله فقد كان ذلك منحاً مؤجلاً، وما أعظمه.
لم يكن مجرد حفل أو احتفال كان تتويجاً عظيماً لمن صنع كل هذا من أباء وأمهات وأولياء أمور، وحسناً صنع العميد في كلمته عندما أثنى عليهم كل الثناء وكانت بادرة عظيمة يستحقونها بكل تأكيد.
الحياة تسير بنا والأجيال تتعاقب ولا يبقى غير الأثر الخالد وهو ما تصنعه كلية الحقوق جامعة الإسكندرية بكل فخر وشموخ وإعزاز.
