ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كتبت باحثة الماجستير تطري زوجها أمام الجمهور في تقديم رسالتها، وكأنه درة الزمان وجوهرة المكان الذي لم تأت البشرية بمثله، وليت الأمر اكتفى عند هذا، بل راحت لتستأجر فني مونتاج لعمل فيديو يضم لقطات الحب والهيام بينها وبين زوجها في احتفالية المناقشة، مع قبلة على الجبين، والتفاف جسدها معلق بيده. 
علمت أن الزوجين اقترنا حديثا ومازالا تحت تأثير شهور العسل، ولا نعلم حالتهما بعد مرور عام او عامين، وربما نلتمس لهما عذرا في حبهما القاهر لحداثة الارتباط، فبعض الناس لا يقتنعون أن الحب بينهما قد يستوفى تمامه وأركانه إلا بتمثيله وتجسيده أمام الناس.
لكن الحالة رغم إعذارنا لطرفيها لحداثتهما وأنها صادفت تحقيق نجاح أبهج قلبيهما، إلا أنها ذكرتني بمواقف سابقة أعلنت معها أنني لم أطق يوما من لا يحلو لهم الحب والغرام إلا أمام الناس وبمحضر شهودهم، ولا أعلم ما هي المتعة في أن يراني الناس وأنا أتغزل في زوجتي وأسمعها ما لذ وطاب من كلمات العشق؟ وكم تساءلت في مواقف مثل هذه: يمكن للزوج أن يكون مريضا نفسيا يستهويه فعل ذلك، لكن أين حياء المرأة وحشمتها العاطفية أمام الناس؟
ألا يخاف هؤلاء حتى من الحسد والعين ان تفسد ودهما وانسجامهما؟
كان الأولى بهم أن يدخروا مشاعرهم لأنفسهم، ولا يعلنوها بهذا الإسهال المريع، وقد كان لي أصدقاء من هذا النوع، ويال متعة الدنيا لو هاتفته زوجته ونحن معه، حتى يرد عليها أمامنا بمعسول الكلمات والعبارات -الممرأعة- في حالة من السماجة والمياصة المستفزة، والهيام اللزج، وهو يقول لها: أيوه حبي، معاك روحي قلبي، بسمعك ياعمري. 
والحق أنني لم أستطع أن أتمالك نفسي أمام هذه المسخرة، فقلت له: ما هذا يا صديقي؟ ليس هناك داع لإعلان هذه الكلمات الحميمية أمام الناس، لتكن بينك وبين زوجتك في بيتكما، كن محتشما أكثر من هذا! فإذا به يرد علي بقوله: يا أخي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينادي زوجته بقوله: يا عائش، قلت له نعم ولكن رسول الله كان يناديها بهذا وهو رجل صلب صاحب دين واتزان ورجولة، ولم تكن فيه هذه المسحة من الميوعة، ثم يا أخي راجع الحديث لتعلم أن راويته هي السيدة عائشة نفسها وأنها قالت أنه كان يناديها بهذا، ولم يكن للأمة علم بهذه المناداة إلا بإخبار عائشة وهو من باب العلم بحال رسول الله وأخلاقه، ثم راجع البخاري نفسه لتعرف في أي معرض قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.. ثم ما العلاقة بين أن يدلل الزوج زوجته باسم يستحسنه ويقوله في بيت يجمعهما، وبين ميوعة ممجوجة مسفة لا أجد لها اسما إلا أنها -مرأعة-.
وبعض آخر لا يحلو له إلا أن يستعرض مع زوجته حبهما وغرامهما على الفيس بوك، بألفاظ حميمية وعواطف ملتهبة حتى ليخيل إليك أنهما بعد قليل سيعرضون مشهد جماعهما في بث مباشر على الفيس. 
ما يحدث ربما يفتعله بعض الازواج  من أجل ركوب الترند الملعون الذي قلب كثيرا من الموازين، وللأسف نجد كثيرا من الطيبين يستحسنون هذا التفلت ويستعذبون الكلمات، وخاصة من يحرمون كلمات الحب من زوجاتهم، لقد وجدوا في المقطع والكلمات أمنيتهم وراسائلهم التي يريدون إرسالها لزوجاتهم علها تذيب جفاءهن. 
ومما يريع أن المشهد يتم عرضه في محاريب العلم، ولو أنه وقع في مكان آخر لكان من الجائز قبوله وتحمله، أما أن يكون في محراب العلم وقاعة المناقشة، وأيضا في الأزهر الشريف، فقد تخطى الأمر حدوده. 
وفي موقف مشابه يقول أستاذنا الدكتور محمد صلاح عبده:  "أذكر في مناقشة عندنا بكليتنا أن الباحثة قالت عن زوجها في البيان واصفة له: "بأنه الذي لم يجد الزمان بمثله" فقاطعتها على الفور قائلا لها: " ناقص نقول صلى الله عليه وسلم" ؛ وقد عاتبني بعض الزملاء من كبار السن قائلا: "لقد أحرجتها" ولم أقتنع بعتابه.
وجرت عادتي أن أراجع بيان من أشرف على رسائلهم من الباحثين والباحثات تفاديا لهذا السقوط المقيت..إن انحدار الأذواق تسلل إلى خير الأماكن وأفضل المحاريب التي يجب أن تكون بمنأى عن هذه العواطف المتكلفة؛ والأدهى والأمر فرحة قطاعات من الناس بهذه "المسخرة"! "حاجة تقرف!"
وهوه فعلا عمل مقرف، وأنا أؤيد فضيلته تماما في استنكار هذا الفعل ونعته بالمسخرة، وأضيف عليه أن الزوج الذي يسمح به فاقد الاتزان، والمرأة التي تحب هذا تخدش الحياء، وتخرج عن سمت الوقار، لا يمكن لأناس مهذبين أسوياء فعل هذا أو الاقتراب من بصيصه.

تم نسخ الرابط