ومما أعجب له أن كل جماعة وكل مذهب وكل حزب من الأحزاب، يرى علماءه وحدهم هم العلماء، وأن ما دونهم أصفار على اليسار لا تساوي شيئًا.
حتى وإن كانت لهؤلاء العلماء آثار عظيمة تدل على سعة علمهم، واتساع معارفهم، وبراعة اجتهادهم.
حالة غريبة من الكفران، ترفض الإنصاف، وتريد محو الآخر والقضاء عليه.
لكن المثير للعجب أن يكون منتسب لجماعة أو مذهب، ولا تراث له ولا قيمة لعبثياته، ثم تراهم يلصقون به نعوتا من الأوحدية المتفردة، فهو شيخ الإسلام وفريد عصره ووحيد دهره، وتنظر إليه فلا تجد له أي تأثير في الدعوة والتمكين للإسلام.
وبعض هذه التيارات، كل ما يهمها في ادعائها هو إعلاء عالمها على كل العلماء، بمؤلفاته ومصنفاته وكتبه وأسفاره، بعيدا عن المجاهدة والمواقف المشرفة، وموقعه من الحق والباطل، بحيث لا تجد اسمه أو تراه في أي من سجلات الكرامة والبطولة.
ثم تجد حينا آخر عالما أحمقا يعليه مريده العميان إلى مراتب النبوة جهلا وسفاهة، وهو لا هم له في ادعاءاته وحديثه إلا إثارة الشبهات، والحديث عن شواذ الاراء والاقوال التي تشكك الناس في دينهم، وتخلق في أذهانهم نظرة استحقار واستخفاف لتراثهم الفقهي الباهر الزاهي.
وتقابل فتى من أتباعه وهو مصر على أنه لم يأت، لا في السلف ولا الخلف من يدانيه في عبقريته.
وسبحان الله قد يكون عالما مجيدا قديرا جاذبا يهدر بالعلم، ولكن أصحاب المذاهب والتيارات الأخرى لا ترى أي علم، ولا تبصر أي فضل، وكأنهم عميان عن الحق، فهم لا يرون إلا عالمهم فقط، وحينما يتكلم، كأن العصافير تشدوا وتغرد، ويبصرون دقائق وأسرار كل كلمة وكل حرف ينطقه.
وقد يكون التابع جاهلا لا فقه له ولا أي نصيب عنده من العلم والفهم، وتدفعه العصبية أن يتهم عالما بالجهل والخواء، لأنه من الحزب الذي لا ينتمي إليه.
بل ترى الجماعة حينما تريد أن تقرر على أتباعها كتابا في مجال أو موضوع بعينه، لا يقررون إلا كتابا لعالم من علمائهم، حتى ولو عرفوا وعلموا أن هناك كتاب آخر لعالم غيره أكثر ثراء ومعرفة وإحاطة ودراية.. فلا يهم علم أو معرفة، لأن العصبية تعلوا على كل شيء، ويوزن بها كل شيء.
وصورة أخرى لا ترى العلم والعلماء إلا في الأزهر، وكل من يتكلم في العلم دون عمامة، فليس من العلم في شيء.
فإذا شمخ غيرهم في فن من الفنون، حاولوا استخراج أزهري وزجوا به إلى الساحة قهرا ليبز هذا الذي لمع اسمه وسطع نجمه في سماء العلم في هذا الفن.
ما أبغض هذه العصبيات.