النقض تحسم نزاع إيجار قديم.. غير محدد المدة
أصدرت محكمة النقض حكمًا مهمًا في نزاع حول عقد إيجار امتد لسنوات طويلة، إذ طعن أحد الأطراف على حكم استئناف القاهرة الذي رفض إنهاء العلاقة الإيجارية استنادًا إلى أن مدة العقد تصل إلى 59 عامًا. المحكمة أكدت أن العقد غير محدد المدة يُعامل وفق نص المادة 563 من القانون المدني، أي أنه ينعقد للفترة المحددة لسداد الأجرة وينتهي بالتنبيه، ما أدى إلى نقض الحكم المطعون فيه.
تفاصيل الحكم
قضت الدائرة المدنية بمحكمة النقض، برئاسة القاضي محمد عباس منيعم، وعضوية القضاة علي مصطفى معوض، وصالح مصطفى عبد الرحيم، ومجدي محمد عبد الرحيم، وعماد الدين نصر، وبحضور محمد السكري رئيس النيابة، وأمانة سر فتحي حمادة،
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة يوم الأحد ٥ من ذي القعدة سنة ١٤٤٦ هـ الموافق ٤ من مايو سنة ٢٠٢٥، في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم ١٤١٠٨ لسنة ٩٢ ق، المرفوع من محمد (س) المقيم في ٣ شارع موسى قطاوي – الوايلي – محافظة القاهرة، ضد محسن المقيم في ٣ شارع موسى قطاوي – الوايلي – القاهرة.
ولم يحضر أحد عنه بالجلسة.
الوقائع:
في يوم ۲۰۲۲/۹/۲۰ طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف القاهرة الصادر بتاريخ ۲۰۲۲/٤/٢٤ في الاستئناف رقم ٤٨١٠ لسنة ٢٥ ق، وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة. وفي اليوم نفسه أودع الطاعن مذكرة شارحة.
وفي ۲۰۲۲/۸/۱۸ أُعلن المطعون ضده بصحيفة الطعن. ثم أودعت النيابة مذكرتها وطلبت فيها قبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه لما ورد بالأسباب من الأول حتى الثالث من أسباب الطعن.
وبجلسة ۲۰۲٥/٢/٢ عُرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة، فرأت أنه جدير بالنظر فحددت له جلسة للمرافعة. وبجلسة ۲۰٢٥/٤/٦ سُمعت الدعوى أمام هذه الدائرة على ما هو مبين بمحضر الجلسة، حيث صمم كل من محامي الطاعن والنيابة العامة على ما جاء بمذكرتيهما، والمحكمة أرجأت إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.
وبعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه القاضي المقرر عماد الدين نصر نائب رئيس المحكمة، والمرافعة، وبعد المداولة:
وحيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن الطاعن أقام على المطعون ضده الدعوى رقم ۲۸۳۸ لسنة ٢٠٢٠ إيجارات كلي شمال القاهرة الابتدائية، طالبًا الحكم بانتهاء عقد الإيجار المؤرخ ۱۹۹۷/۸/۳ مع إخلاء المطعون ضده من العين المؤجرة والتسليم. وقال بيانًا لذلك إنه بموجب ذلك العقد استأجر المطعون ضده منه عين النزاع، وكانت مدة العقد غير محددة، وإذ أنذره برغبته في إنهاء العقد فلم يمتثل، فقد أقام الدعوى.
فقضت المحكمة بانتهاء عقد الإيجار والإخلاء والتسليم. فاستأنف المطعون ضده هذا الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة – مأمورية شمال القاهرة – بالاستئناف رقم ٤٨١٠ لسنة ٢٥ ق، حيث قضت بتاريخ ۲۰۲۲/٤/٢٤ بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعوى. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقضه. وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة، حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة برأيها.
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، إذ أقام قضاءه برفض الدعوى باعتبار أن مدة الإيجار تسع وخمسون سنة، وهي أطول مدة يجيزها القانون، على سند من أن مدة الإيجار الواردة في العقد مدى الحياة. في حين أنه كان يتعين إعمال نص المادة ٥٦٣ من القانون المدني باعتبار أن العقد غير محدد المدة، ويكون بذلك منعقدًا للفترة المحددة لدفع الأجرة وهي شهر، وبالتنبيه تنفصم العلاقة الإيجارية. غير أن الحكم المطعون فيه انحرف في تفسيره لبنود عقد الإيجار، وحدد مدة العقد بتسعة وخمسين عامًا بالمخالفة لأحكام المواد ١٤٧، ١٤٨، ١/١٥٠، ٥٦٣ من القانون المدني، وهو ما يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن المقرر – وعلى ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – أن النص في المادة ٥٥٨ من القانون المدني على أن الإيجار عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكن المستأجر من الانتفاع بشيء معين مدة معينة، والنص في المادة ٥٦٣ من هذا القانون على أنه: "إذا عقد الإيجار دون اتفاق على مدة أو عقد لمدة غير معينة أو تعذر إثبات المدة المدعاة اعتبر الإيجار منعقدًا للفترة المعينة لدفع الأجرة، وينتهي بانقضاء هذه الفترة بناءً على طلب أحد المتعاقدين إذا هو نبه على المتعاقد الآخر بالإخلاء في المواعيد الآتي بيانها..." يدل – وعلى ما انتهت إليه الهيئة العامة للمواد المدنية بمحكمة النقض – على أن المشرع استلزم توقيت عقد الإيجار واعتبر المدة ركنًا فيه.
فإذا عُقد العقد دون اتفاق على ميقات ينتهي فيه الإيجار، أو تعذر إثبات المدة المدعاة، أو عُقد لمدة غير معينة بحيث لا يمكن معرفة تاريخ انتهاء الإجارة على وجه التحديد، وكان ربط انتهائها بأمر مستقبل غير محقق الوقوع، تعين اعتبار العقد منعقدًا للفترة المعينة لدفع الأجرة. ويكون لكل من المتعاقدين الحق في إنهاء العقد بعد التنبيه على الآخر بالإخلاء في المواعيد المبينة بنص المادة ٥٦٣ سالفة البيان.
ولا يسوغ استبعاد نص المادة ٥٦٣ المشار إليها، ولا محل للقول بوجوب تدخل القاضي لتحديد مدة العقد تبعًا لظروف وملابسات التعاقد أو بانتهاء العقد بانقضاء ستين عامًا قياسًا على حق الحكر؛ إذ أن الأصل أنه يمتنع على القاضي – إعمالًا لنص المادة ١٤٧ من القانون المدني – التدخل لتعديل إرادة المتعاقدين إلا لسبب يقره القانون. ولو ارتأى المشرع أن يتدخل القاضي لتحديد مدة العقد أو لتحديد حد أقصى للمدة في عقد الإيجار – كما في حق الحكر – لنص على ذلك صراحة. ومن ثم، فلا محل للقياس أو الاجتهاد.
ولما كان الثابت من الأوراق أن عقد الإيجار سند الدعوى المؤرخ ۱۹۹۷/۸/۳ خاضع لأحكام القانون المدني طبقًا لنصوص القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦، وقد نص في العقد أن مدته مدى الحياة، فإنه يعد من العقود غير محددة المدة، ويعتبر منعقدًا للمدة المعينة لدفع الأجرة وهي "شهر". ويكون لأي من المتعاقدين الحق في إنهائه إذا نبه على المتعاقد الآخر، إعمالًا لنص المادة ٥٦٣ سالفة البيان.
وإذ كان الطاعن قد نبه على المطعون ضده بالإنذار رقم ٦٧٠٥ المعلن إليه في ۲۰۲۰/۹/۱۲ – حسبما ورد في مدونات الحكم الابتدائي – بإنهاء العقد، فإن العلاقة الإيجارية تكون قد انتهت بهذا التنبيه. وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، واعتبر العقد ممتدًا إلى أقصى مدة ممكنة قانونًا وهي تسعة وخمسون عامًا، ورفض الدعوى، فإنه يكون معيبًا بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، بما يوجب نقضه.
وحيث إن الموضوع صالح للفصل فيه، ولما تقدم، فقد قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه، وألزمت المطعون ضده المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وحكمت في موضوع الاستئناف رقم ٤٨١٠ لسنة ٢٥ ق – مأمورية شمال القاهرة – برفضه، وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المستأنف المصاريف ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.