جرس إنذار لا يجب تجاهله
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المجتمعات، تظهر على السطح وجوه تقتنص الفرصة ببراعة مدهشة، ثم تختفي فجأة دون تفسير مقنع، مخلفة وراءها الكثير من التساؤلات. نادر بكار هو أحد هذه الوجوه.
هذا الشاب الذي خرج من عباءة الدعوة السلفية، لم يكن مجرد متحدث لبق أو وجه وسيم يُجمّل خطابًا متشددًا، بل كان مشروعًا إعلاميًا سياسيًا مكتمل الأركان. ظهر مع صعود السلفيين بعد أحداث 25 يناير، وأصبح المتحدث الرسمي لحزب النور، الذراع السياسية للدعوة السلفية في مصر، وسرعان ما استحوذ على الأضواء.
ما ميّز نادر بكار عن غيره من رموز التيار السلفي هو القدرة على التأقلم الخطابي، وارتداء “بدلة الحداثة” مع الحفاظ على العمق الأيديولوجي القديم. بكار تحدث لغة الإعلام، لبس الكرافتة، ووقف أمام كاميرات القنوات الغربية والعربية دون تلعثم. بدا وكأنه الرجل المناسب لتسويق الخطاب السلفي الجديد، أو بالأحرى، تلميعه وتقديمه كبديل للإخوان حين يتطلب الأمر ذلك.
لكن، مع سقوط حكم الإخوان في 2013، كان المتوقع أن يحتفظ بكار بدور ما في المعادلة الجديدة، خاصة بعد أن شارك حزب النور في مشهد 3 يوليو، إلا أن العكس تمامًا هو ما حدث .
اختفى بكار تدريجيًا من المشهد، ثم ظهرت أنباء عن التحاقه بجامعة هارفارد ضمن برنامج زمالة في السياسات العامة. وهنا بدأ التساؤل: كيف لشخص خرج من بيئة محافظة تقليدية، لم يكن له باع طويل في البحث الأكاديمي أو العمل المدني، أن يجد هذا الترحيب في أرقى مؤسسات الغرب؟
من الصعب أن تجد إجابة قطعية، لكن الأكيد أن انتقال نادر بكار إلى الولايات المتحدة لم يكن انتقالًا فرديًا عابرًا. لقد تم استقباله واحتواؤه ضمن برامج يُقال إنها علمية، لكنها في كثير من الأحيان تكون بوابة لصناعة أدوات ناعمة للتأثير في بلدانهم الأصلية، خاصة إذا كانوا يمتلكون الخبرة في الحشد والتأثير الجماهيري، والقدرة على التلون.
قد يبدو غريبًا أن يقفز إلى الذهن اسم أبو محمد الجولاني، قائد تنظيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، حين نُشاهد ملامح نادر بكار. لكن الفكرة ليست في الشكل ولا في التوجه التنظيمي، بل في النمط.
الجولاني بدأ كرجل غامض، ثم ظهر فجأة كقائد عسكري على الأرض السورية، قبل أن يتحول إلى شخصية إعلامية تخاطب الغرب وتتحدث عن “الانفصال عن القاعدة” ومحاربة داعش.
كلاهما — بكار والجولاني — مثال على التحول من نموذج متشدد إلى واجهة ناعمة مقبولة إعلاميًا. وكلاهما استفاد من حالات الفوضى، وسعى لصناعة سردية جديدة تُرضي الجمهور المحلي وتحاول كسب ثقة الخارج.
ليكون السؤال الذي يفرض نفسه ، لماذا نتحدث عنه الآن؟
الحديث عن نادر بكار ليس بهدف مطاردة الأشباح أو جلد الماضي، بل لأن هناك أنماطًا من الشخصيات تظهر فجأة في المشهد العربي — خاصة في ظل الأزمات — وتقدَّم على أنها وجوه إصلاحية، بينما خلف الكواليس قد تكون هناك أجندات أبعد من مجرد الطموح الشخصي.
من الضروري أن نتعامل مع هذا النموذج بحذر، لا بالشيطنة، بل بالتحليل النقدي والمراقبة الذكية. فما من مانع أن يسعى شاب لصناعة مستقبل أفضل، لكن عندما تتداخل السياسة مع الدين، وتُدار الأمور في غرف مغلقة خارج أوطاننا، يصبح من حقنا أن نطرح الأسئلة.
في النهاية نادر بكار قد لا يعود إلى مصر، وقد لا يظهر في السياسة مجددًا، لكنه يظل نموذجًا يجب دراسته بعناية. لأن التاريخ يُخبرنا أن بعض الوجوه لا تختفي إلى الأبد، بل تعود — إن عادت — بوجه جديد، وخطاب أكثر نعومة، لكنه قد يحمل نفس البذور القديمة .