عندما نسترجع سيرة شيوخ القضاة في مصر، لا يمكن أن نغفل اسم المستشار الراحل إميل حبشي مليكة، الذي استحق عن جدارة لقب “شيخ شيوخ القضاة الجنائيين”، فقد كان مثالًا للعدل وهيبته، ورمزًا للقضاء المصري في أبهى صوره، فهو وبحق صاحب الإرث القضائي الخالد في محراب العدالة المصرية.
في قاعة محكمة جنايات الدقي التي كانت تعقد في قاعة المستشار محمد عبد السلام بدار القضاء العالي، كان المستشار إميل حبشي مليكة يترأس الجلسات بوقار وهيبة، حتى ليخيل لمن يراه أنه تمثال العدالة وقد تجسد حيًا.
كان المستشار اميل حبشي مليكة يغلق عينيه في صمت وهو يصغي إلى الدفاع، منصتًا بعمق حتى آخر كلمة، ثم يذهب إلى غرفة المداولة لتبدأ معركة أخرى؛ معركة العقل والضمير والبحث الدقيق بين الأدلة والترجيح والموازنة.
لم يكن الحكم الذي يصدر من المحكمة برئاسة القاضي مليكة مجرد ورق مكتوب، بل كان درسًا في الفقه والقانون.
فقد تعلم على يديه جيل كامل من القضاة والباحثين كيفية قراءة ما بين السطور، واستخلاص روح العدالة من حيثياته التي كانت تحمل في طياتها علمًا غزيرًا، ورؤية نافذة، ومنهجًا صارمًا لا يعرف سوى الحق.
لم تقتصر مسيرته على جنايات الدقي، فقد تولى الراحل رئاسة محكمة استئناف الإسماعيلية، ليواصل مسيرة العطاء ويترك إرثًا من الأحكام التي سُطرت بمداد من ذهب في سجل القضاء المصري.
رحل المستشار إميل حبشي مليكة، لكن ذكراه باقية في وجدان من عرفه وجلس في قاعاته.
ترك وراءه مدرسة في الفقه، وميراثًا من النزاهة والصرامة والضمير الحي، ليبقى شاهدًا على عظمة القضاء المصري الذي أنجب رجالًا حملوا الأمانة بجدارة، وصانوا العدالة.
وقد كان لي عظيم الشرف أن أعاصر جيلًا من شيوخ القضاة الذين علموني، وغرسوا في نفسي حب رسالة القضاء وإيمانًا بعظمة القضاء المصري، التي تتجلى في أسباب الأحكام وحيثياتها قبل منطوقها، فلهم مني جزيل الشكر وعظيم التقدير على ما قدموه.
ذلك الجيل ترك لنا ميراثًا من النزاهة والعلم والضمير الحي، يثبت أن العدالة في مصر لم تكن يومًا مجرد نصوص، بل رسالة خالدة حملها رجال أوفياء وصانوها بوفاء.
