ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

‏ استوقفني مقال الزميل المستشار الدكتور سامي الطوخي المنشور بجريدة خلف الحدث الموقع الالكتروني (https://khalfelhadth.com) بعنوان: ( قانون الرحمة - أبو ظبي تعيد تعريف العدالة والأمن الاجتماعي) . ولما كان المقال قد لامس موضوعات بالغة الأهمية، تصب جميعها في تعزيز قيمة الأمن الاجتماعي في إمارة أبوظبي ، فقد حرصت تعميماً للفائدة تفكيك مصطلحات المقال تقريباً للصورة في أذهان أصحاب المصلحة والفاعلين في صناعة العدالة والأمن الاجتماعي في عدة مواضع، أسوقها كما يأتي:

أولاً الكلمات المفتاحية للتعقيب

القضاء و أصحاب المصلحة في صناعة العدالة  : يشير القضاء إلى أعضاء السلطة القضائية من قضاة ووكلاء نيابة ، وبمعنى أوسع سائر الفاعلين في المنظومة القضائية من معاونين وموظفين وخبراء وكتاب العدل ، المحامون وشركائهم في المكتب ووكلائهم ومندوبيهم والمنتسبين إليهم في ممارسة المهنة. [1] وجهات إنفاذ القانون.

أصحاب المصلحة في النظام القانوني والقضائي:

يعدّ من ضمن أصحاب المصلحة الرئيسيين لغايات التكامل في خدمة سيادة القانون، الأفراد والمجموعات ممن لديهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة مع المؤسسات العدلية والقضائية والحقوقية ، وتلتزم تلك المؤسسات بتوفير أعلى مستويات الخدمة لهم وبالتالي تعد مصالحهم ومتطلباتهم أمرًا ضروريا في تحديد الاستراتيجيات التي ستساعد على إعداد نظام قضائي عالمي. ومن أولئك ، المدعون والمدّعَي عليهم، المتهمون والمجني عليهم، والمراجعون الآخرون، الأطفال والأسر ، الأحداث ، وأصحاب الأعمال من الشركات والمؤسسات، المجتمع القانوني، وشركاء مهنة القانون في النظام القضائي وعلى رأسهم جمعيات واتحادات المحامين ، والمحامون الأفراد ومكاتب وشركات المحاماة ، ووكلاء النيابة العامة، القضاة، الوسطاء ،المحكمين ،الخبراء ، المشتغلون الآخرون بالقانون ، الموظفون ، الهيئات الحكومية الأخرى ،  و الجمهور بصورة عامة [2]  ، والدوائر الشرطية.

قانون الرحمة : القانون- بشكل عام  - هو مجموعة من القواعد العامة المجردة والملزمة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، وتفرض السلطة العامة الجزاء على مخالفها لضمان احترام سيادة القانون ، وبهذا التعريفيشير القانون إلى ترسيخ النظام والاستقرار للسلم والأمن الاجتماعي، و مهمة القانون الرئيسة هي تقرير الحقوق وتحديد حدودها وفرض احترامها، سواء كانت حقوق فردية تجاه آخرين أو تجاه الدولة، أو حقوق الدولة تجاه الأفراد.[3] والرحمة في القانون قد تتأتي من إعمال الحد الأدنى للجزاء في ظروف معينة ، بينما تتأتى من إنزال حد أعلى للجزاء كفلسفة القصاص في قوله تعالى" ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب) [4]فعلى الرغم من قساوة الجزاء إلا أن الرحمة متضمنة فيه لانطوائه على استمرار السلم المجتمعي جراء الردع بإعمال جزاء القصاص. 

بينما فلسفه القضاء – كذلك وبشكل عام - تنطوي على فرضية تحقيق استقرار المجتمع وتمكين الأمن في أركانه ، وفيه يتم تطبيق القانون بمرونة تراعي الظروف الإنسانية، بعيدًا عن التطبيق الحرفي للقواعد القانونية على الوقائع، ويجيء استخدام الرحمة المقرونة بالقضاء لغايات تحقيق مقاربة للارتقاء بوقائع التداعي من حالة تنازع إلى حالة إيجاد توازان مفقود ، وبحيث يتم إعادة تموضع واستقرار المراكز القانونية صاحبة الحق والمصلحة.

قاضي الرحمة: هو القاضي الذي يمازج  - دون إخلال بجوهر العدالة  - بين المتطلبات القانونية والشرعية وبين اعتبارات استصحاب التيسير تجاه الخصوم في الدعوى من الذين تحيط بهم أحوال وظروف اجتماعية تكون قد ساهمت في توجيه مجريات الدعوى إلى الحد الذي أوصلها إلى القضاء.  وقد تنطوي الرحمة لدى القاضي بإعمال ما سلطته في دعوة الخصوم لإعمال الصلح واعتبارات العفو .

الأمن الاجتماعي : هو الغاية النهائية للسلم والسكينة والطمأنينة العائدة للسكان بهدف تحسين جودة حياتهم من الناحية الأمنية ، وهي ثمرة خدمة تشاركية للمجتمع يقدمها أصحاب المصلحة المعنيون في انسجام وتكاملية ، والتي تعكس التأثير الاجتماعي للمستهدفين ضمن منظومة جهات القطاع الاجتماعي والعدلي. 

القطاع الاجتماعي: نظام متكامل من العمل الاجتماعي العام الذي يهدف لرعاية وتنمية الأفراد والأسر والمجتمع من كافة النواحي ويشمل الجهات العامة والخاصة، الربحية منها وغير الربحية، التي تقدم خدمات للقطاع الاجتماعي والتي تعني بشؤون الأسرة بوجه عام والمرأة والطفل بوجه خاص كما تعني بشؤون القصر والأيتام والمحتاجين وأصحاب الهمم والشباب وكبار السن ومجهولي النسب .[5]

أصحاب المصلحة في القطاع الاجتماعي : الجهات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والتي تتداخل أدوارها وتتكامل مع جهات القطاع الاجتماعي فضلا عن المستفيدين من خدمات القطاع الاجتماعي. 

جهات القطاع الاجتماعي : الجهات الحكومية وغير الحكومية ومؤسسات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة التي تتبع و/أو تشرف عليها السلطة المختصة، والجهات المماثلة لها على المستويين الاتحادي والمحلي في دولة الإمارات العربية المتحدة. 

تكاملية أدوار الجهات الحكومية : مستوى من التنسيق والتعاون بين اختصاصات جهات القطاع الاجتماعي وأصحاب المصلحة في القطاع الاجتماعي بهدف تحقيق الأمن الاجتماعي.

ثانياً: النقاط الجوهرية في المقال

1. أن (المساهمة المجتمعية Community Contribution  ليست تبرعاً Donation) ، وحسبي أن الكاتب قد أصاب ، وفي ذلك تفصيل مؤداه أن التبرعات مُعرَّفة بأنها : (ما يجمع من أموال أيًّا كان نوعها نقدية أو عينية، منقولة أو ثابتة، بما فيها العملة الوطنية والعملات الأجنبية والسندات والصكوك والأسهم، وأيًّا كان شكلها بما في ذلك الإلكتروني أو الرقمي، وذلك للإنفاق منها على أوجه البر أو تقديم الخدمات والمساعدات الخيرية أو الإنسانية). فهذه التبرعات تجمع لتنفق في أوجه محدودة ومحصورة هي أوجه البر والمساعدات الخيرية أو الإنسانية).[6]  بينما نجد أن المساهمات المجتمعية ذات تنظيم محلي، لم يتطرق لها التشريع بالتعريف ، وتشمل المساهمات المالية والعينية والمشاركات المجتمعية التي يتم الحصول عليها بمعرفة وبوساطة هيئة المساهمات المجتمعية (معاً) من الجهات الحكومية والقطاع الخاص والأفراد كمسؤولية مجتمعية دعمة للمجتمع فضلاً عن الفرص التطوعية ، فالمساهمات المجتمعية تشمل - ولا تقتصر على - ما يتم جمعة من المجتمع من أموال نقدية وما في حكمها وأموال عينية ثابتة أو منقولة ، ومشاركات مجتمعية وتطوع بما فيها الحقوق المعنوية والملكية الفكرية. ويجدُر بيان أن المسار الدستوري للتشريع المحلي هو مسار أصيل بشأن حوكمة جمع المساهمات المجتمعية وإنفاقها و/أو توجيهها واستثمارها في خدمة المجتمع . وقد دعمت هذا الاختصاص المواد (120) وما بعدها من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة ، التي فتحت مسار التشريع للإمارات في الموضوعات المتعلقة بالقطاع الاجتماعي. ويجدُر كذلك الإشارة إلى أن هيئة المساهمات المجتمعية (معاً) هيئة محلية ذات نشاط مجتمعي أصيل يسري في حدود إقليم إمارة أبوظبي باختصاصات واسعة شاملة ومتنوعة تدعم جميع محاور تنمية المجتمع ، وتشمل جميع فئاته،  لا سيما الحلقات الضعيفة من تلك الفئات . فالمساهمات المجتمعية وأنواعها تحتوى على تعدد وتنوع وشمول ، وبذلك العموم والاتساع نستطيع القول أن التبرع والمساهمة المجتمعية يجتمعان - بحسب الأصل العام في فلسفة العطاء المجتمعي -  في أنهما نوع من العطاء الاختياري دونما إلزام ، بينما يتمايز المصطلحان في عدة أوجه نشير إلى بعضها باختصار فيما يلي: 

‌أ. من حيث المفهوم و الطبيعة : فالمساهمات جنس متعدد الأنواع وتشمل أنواعاً عديدة من بينها ما قد يأخذ شكل الوقف أو الوصية أو الهبة وقد يدخل فيها نوع التبرع حين يتم جمعه لصالح الغير ، بينما التبرعات نوع واحد وقد خُصِّص للإنفاق في مجالات الخيرية والإنسانية ، دون التوجيه بخلاف المساهمات التي يجوز إنفاقها ابتداء و/أو توجيهها واستثمارها اجتماعياً على النحو الذي يحقق نوع من الاستدامة في مواجهة التحديات الاجتماعية والاحتياجات الاجتماعية المتفرعة عن الأولويات المجتمعية التي تعتمدها الجهة المنظمة للقطاع الاجتماعي في الإمارة (دائرة تنمية المجتمع).

‌ب. الاختلاف قي المنطلق والدافع : إن أساس المساهمات - وإن كانت اختيارية - إلا أن منطلقها ودافعها الأساس هو استشعار المسؤولية المجتمعية للمساهم - فرداً كان أو شركة أو تعاونية  أو غيرهم - في دعم التحديات المجتمعية بشكل عام ، سواء باستهداف إنفاق تلك المساهمات أو بتوجيهها لخدمة المجتمع،  بينما أساس التبرع قد يكون نذرا أو صدقة أو لخدمة هدف خاص بجمعية أو مؤسسة أهلية خيرية وما في حكمهما.

ج.  الاختلاف قي الاستخدامات : حيث تُجْمَع التبرعات بقصد الإنفاق منها على أوجه البر أو تقديم الخدمات والمساعدات الخيرية أو الإنسانية ، وهذه الأهداف تُعنَى بها كيانات النفع العام في القطاع الثالث، بينما نجد أن توظيف المساهمات متعدداً ، فمنه إنفاق بعضها وتوجيه البعض الآخر واستثماره في دعم التحديات المجتمعية ، وهو اختصاص يغطي كافة مكونات وفئات المجتمع ، ويشمل التحديات المجتمعية المرتبطة بموضوعات عامة كالصحة والبيئة وتحسين جودة حياة السكان وغيرها ، كما يشمل التحديات الاجتماعية الخاصة بفئات خاصة. 

د.  الاختلاف من حيث الجهة التي تُعنَى بجمع المساهمات وبين الجهات التي تُعنَى بجمع التبرعات:  حيث تجمع المساهمات المجتمعية من قبل الهيئة (معاً) وهي جهة حكومية تخضع لمنظومة تشريعية مُحْكَمَة بينما تُجْمَع التبرعات -  كصلاحية أصيلة - للجمعيات والمؤسسات الأهلية ذات النفع العام وإن جاز - في ذات الوقت - جمع التبرعات استثناء من خلال جهة حكومية سواء كان لصالح الغير أو لصالحها في بعض الأحوال.

2. الوقف والاستدامة : أيضا استوقفني ما جاء في متن المقال عن أن (الوقف ليس مجرد صدقة) ، وحقيقة ذلك أن هناك فرق بين الصدقة المنقطعة والوقف المعرف في اصطلاح الفقهاء بأنه : " حبس الأصل وتسبيل المنفعة "، و أصدق تعريف  جامع لصور الوقف عند الفقهاء الذين قدروه ، هو ما ذكره الشيخ الفقيه محمد أبو زهرة رحمه الله يقول : (الوقف) هو منع التصرف في رقبة العبن التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها و جعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء و انتهاءً ). [7]

و قيل أنه "تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة على بِر"[8]. وقد عُرِّف الوقف قانوناً بأنه : " تسبيل منفعة بمفردها أو حبس الأصل وتسبيل المنفعة" . [9] فالوقف توثيق لاستخدامات "الصدقة الجارية المستدامة" التي لا ينقطع أثرها، وفي ذلك يختلف الوقف عن التبرع البحت، بينما يتماهى الوقف مع بعض أنواع المساهمات المجتمعية المشروطة، وهذا بابٌ المأمول فيه كثير. [10]

3. الحوار العالمي مع مدارس الرعاية الاجتماعية

استوقفني أيضا - في المقال - الدعوة لسبر غور التشريعات المنظمة للهيئات الثلاث : هيئة المساهمات المجتمعية (معاً) ، هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي وهيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر في إمارة أبوظبي،  وحسبي أن هذا التحدي يشكل جوهر موضوع المقال ، باعتباره مدخلاً تشريعياً يصلح لأن يكون موضوعا لحوار عالمي مع مدارس الرعاية الاجتماعية في شرق آسيا والدول الإسكندنافية وبعض الدول الغربية كألمانيا وبريطانيا ، ولكون إمارة أبوظبي - وكما ذهبت مرئيات كاتب المقال - من الممكن أن تقود الجديد التشريعي لمنظمات التكافل الاجتماعي العالمي، الأمر الذي  يعتبر - في تقديري - تحدياَ كبيراً.  وجميلٌ - بل وجديرٌ بها - أن تتبني إمارة أبوظبي حواراً يستجمع أصحاب العلاقة لإيجاد نظام عالمي لمنظمات التكافل الاجتماعي ، لا سيما وقد تطرق المقال لاستجلاء تجارب وممارسات بعض التجمعات الدولية كدول آسيا ودول إسكندنافيا ودول الغرب حيال الأمن الاجتماعي، وهو طرح يحقق تمازجاً حميداً لمشاركة المعرفة والممارسات المُثلى للتجربة التشريعية بإمارة أبوظبي فضلاً عن الممارسة العملية التطبيقية لهذه التشريعات. وقد أثبتت دائرة تنمية المجتمع باستشرافٍ استباقي أهمية الرعاية الاجتماعية فأحدثت لها منتدى الرعاية الاجتماعية في يومي 24و25 سبتمبر 2025 ، تحت شعار " الجاهزية المستقبلية في الرعاية الاجتماعية: الإنسان، والممارسة، والسياسة "،  يهدف جمع قادة الفكر وصناع القرار والخبراء لمناقشة استراتيجيات تطوير قطاع الرعاية الاجتماعية، واستكشاف التوجهات العالمية، وتبادل الخبرات والممارسات وقصص النجاح ، وتعزيز الشراكات في مجال الخدمات الاجتماعية، الأمر الذي أكد على سلامة التوجه وإمكانية اضطلاع إمارة أبوظبي بالريادة في الارتقاء بالقطاع الاجتماعي لصالح الفئات المستحقة للدعم. [11]

‏4. تكاملية الأدوار بين الهيئات الفاعلة في صناعة الأمن الاجتماعي :

استوقفني أيضا أوجه التكامل بين الهيئات الثلاث المشار إليها ، حيث تطرق المقال لهيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي كذراع للدولة ، والحقيقة أن القانون المنشئ لهيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي هو تشريع محلي في الإمارة ، وليس لهذه الهيئة أن تتمدد في النطاق الإقليمي لدولة الاتحاد بخلاف إمارة أبوظبي. وهي هيئة - ضمن تكاملية الأدوار الحكومية - تشكل إحدى المصارف الموثوقة للمساهمات المجتمعية وللأوقاف، بجانب اختصاصاتها الأصيلة. 

استوقفني أيضا الحديث عن هيئة المساهمات المجتمعية – معاً باعتبارها ضمير المجتمع الذي يترجم التشريع إلى أفعال ، كونها المنصة القانونية للمساهمات وللمسؤولية المجتمعية في الإمارة .

 واستوقفني أيضا وصف هيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر في إمارة أبوظبي بأنها وعاء استخدام وحاضنة للمستقبل كونها السلطة المعنية بإدارة شؤون الوقف . 

‏وللفائدة : فالمساهمات المجتمعية هي جنس يتضمن الكثير من أنواع المساهمات منها المساهمات الوقفية ، المشاركات المجتمعية التي تعبر عن أفعال مثل التطوع أو التشبيك مع المؤسسات التي تحتاج دعم لمساندة بعض برامجها أو تقديم خدمات من المجتمع الكلي القادر على العطاء إلى المجتمع الفئوي صاحب الاحتياج ، أيضا المساهمات التي تتعلق بالأصول سواء كانت أصول عقارية ثابتة أو أصول أو أصول مالية منقولة أو نقود قابلة لإعادة التوجيه أو الاستثمار الاجتماعي ، بينما التبرعات معرفة طبقاً للقانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2021 في شأن تنظيم التبرعات كما سلف بيانها. [12]

هيئة (معاً) تجمع المساهمات المالية والعينية من الجهات إلى آخره فهي - بصفتها تلك - مُمَكِّن لجهات ذات شخصية اعتبارية، إذ المستفيد من عملياتها كيانات داعمة للمجتمع، على الرغم أن المستفيدين بمآل التحليل النهائي قد يكونون أفراداً. بينما تباشر هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي تعاملاتها مع الأفراد ومكونات الأفراد ، والوضع مختلفاً لدى هيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر المعنية بإدارة الأوقاف ، فهي تستثمر الأصول المالية بأنواعها المختلفة وتضخ ريعها في خدمات مختلفة تتنوع باختلاف شروط الواقفين ، وبحسب ما إذا كان الوقف عاماً لجميع أوجه البر أو كان مشروطاً على استحقاق معين لفئة أو فرد أو قطاع محدد.

وأيا كان الأمر فإن التداخل والتكامل بين الهيئات الثلاث تتعاظم فرصه وتتجلى فيما يأتي:

1. أن هيئة المساهمات المجتمعية (معاً) إنما تجمع مساهمات متنوعة مالية وعينيه ومشاركات مجتمعية وفرص تطوعية وما إلى ذلك ، وتوظفها في خدمة المجتمع. فـ (معاً) بهذا الوصف هي رافد مالي وصمام أمان يغذي المشروعات الاجتماعية في القطاع الاجتماعي.   

 2.  في حين أن هيئة الأوقاف وأموال القصر تعتبر بالنسبة لهيئة المساهمات المجتمعية (معاً) شريكاً موثوقاً لاستقبال بعض المساهمات المجتمعية التي يلائم استثمارها في مشروعات قليلة المخاطر بهدف الحصول على عائد يمكن توجيهه لخدمة الأولويات المجتمعية ومعالجة التحديات المجتمعية والاحتياجات الاجتماعية التي تطرأ ، والتي تُقَّدم أو تُوجَّه من خلال مُنظِّم القطاع الاجتماعي السادة دائرة التنمية المجتمع في إمارة أبوظبي. فضلاً عن أن ريع الوقف الخيري العام يمكن توجيهه من هيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر لدعم التحديات المجتمعية والاحتياجات الاجتماعية من خلال (معاً) استشعاراً لرسالة الوقف في دعم المجتمع.

3. بينما هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي لا تجمع مساهمات ولا تبرعات ، وإنما تنفق على مشروعاتها من الميزانية الحكومية المخصصة لها لتحقيق أغراضها وأهدافها ، وأحيانا وباعتبارها جهة حكومية لها وفقاً لقانون إنشاء هيئة المساهمة المجتمعية (معاً) الحق في أن تستقطب دعم من المساهمات المجتمعية لإنجاز بعض المشاريع  التي ترتقي بالمجتمع ، وهي في هذه الحالة تكون مشروعات ذات أثر ومردود اجتماعي ، فتتولى هيئة المساهمات المجتمعية التدخل والمشاركة بمال أو بجمع أموال لصالح خدمة هذه الأهداف المشتركة.

وبالنظر إلى ما تقدم،  يمكن لهذه الهيئات الثلاث - بالتضامن مع جهود هيئات وجهات القطاع الاجتماعي الأخرى - أن تؤدي دوراً تكاملياً تستقطب (معاً) بموجبه المساهمات المجتمعية وتوجه وتستثمر هذه المساهمات في خدمة المجتمع ، بحيث توجه بعضها إلى القطاعات التي تخدم مُلاَّك المشاريع المجتمعية كالصحة والتعليم والبيئة وتحسين جودة حياة السكان على سبيل المثال ، فتعمل الهيئات الثلاث مجتمعة نحو تحقيق مقاربة الأمن الاجتماعي الذي ربطه كاتب المقال بشكل ينطوي على ذوق استشرافي متقدم من الناحية التشريعية فضلاً عن الناحية التنفيذية ، وهو نداء للمشرع الوطني ومن خلفه القضاء - بالمفهوم الواسع لهذا المصطلح - لمراعاة مقتضيات العدالة الاجتماعية من حيث تقدير الظروف الاجتماعية للمتهمين وللمدعى عليهم ولأصحاب المصلحة في الدعاوى المرفوعة عليهم بسبب أزمات مالية تتعلق بديون نزيهة،  وهو ربط يستحق الإشادة، و طرح  يشكل مساحة مستقبلية تفسح  للهيئات الثلاث المشار إليها مجالاً رحباً من الدعم بقصد تحقيق تأثير اجتماعي على المدى الطويل لصالح هؤلاء المستفيدين والمؤسسات القائمة على خدمتهم وإدارة شؤونهم والتي ينبغي عليها أن تتبنى حواراً تعقد له ورش عمل وسمنارات وملتقيات ومؤتمرات تعزيزاً لأداء الدور التكافلي والتكاملي الذي يحقق مقاربة نحو عدالة الأمن الاجتماعي ، حيث لا أجد مبررا مقنعا لأن تتفرق الأسر بسبب الطلاق أو التطليق أو الخلع لأسباب مادية ، ولا لأن تتفرق أواصر الأسر بسبب الإعسار المدني ، ولا أن يُصادر حق الأسر جراء فقد جهود عائلها في أن يكون طليقاً يسعى لرزقه ورزق أسرته بدلاً من بقائه حبيساً جراء العجز المالي وهو محاط بظروف اجتماعية تبررها مقتضيات أنسنة التشريعات الاجتماعية، لا سيما إذا كانت مبالغ المطالبة في الدعاوى أو الغرامات المحكوم بها زهيدة ، ولقد رأينا بعض السوابق القضائية التي تُقرأ عبرها قصص لبعض الأسر الصغيرة حديثة التكوين تفرقت بسبب نفقات قليلة كان ممكناً تجاوزها عبر الحل والتسوية الودية إذا ما وجدت نصيبها من الدعم الاجتماعي عبر الوسائل القانونية المتاحة لدى الهيئات موضوع هذا التعقيب، مما ينتج أثراً بالغاً لرتق النسيج الاجتماعي والتلاحم الأسري والمجتمعي بدلا عن تفتيت عضد المجتمع.

لا شك أن القضاء الواعي - في بلاد تمجد ثقافة العطاء والامتنان باستشعار المسؤولية المجتمعية تجاه الفئات الضعيفة - سيراعي ظروف الدعوى  وأحوال المتقاضين ، وسيسعى إلى تضمينها أحكامه في ظل تعريفنا لمصطلح القاضي الرحيم ، وهو الذي يمازج  - دون إخلال بجوهر العدالة  - بين المتطلبات القانونية والشرعية وبين اعتبارات استصحاب التيسير تجاه الخصوم في الدعوى من الذين تحيط بهم اعتبارات وظروف اجتماعية تكون قد ساهمت في توجيه مجريات الدعوى إلى الحد الذي أوصل أطرافها حد التداعي أمام القضاء. 

إن تكاملية أدوار الجهات الحكومية في القطاع الاجتماعي والأجهزة العدلية تقتضي تحقيق مقاربة للتعاون بين هيئات القطاع الاجتماعي والقضاء - لا سيما القضاء البديل - لإيجاد حلول للظواهر المجتمعية الناتجة عن الاحتياجات الاجتماعية للمتقاضين،  من شأنها تحقيق توازن يصب في حقل الأمن الاجتماعي ، ويساعد العدالة من خلال التمكين لتجربة مؤسسات الحلول البديلة والتسوية المبكرة للنزاعات عبر تفعيل تجربة شراكات المساهمات المجتمعية والأوقاف و الدعم الاجتماعي للحالات المستحقة ، خاصة وأن منظومة الحلول البديلة معتمدة أصلا في النظام القضائي في إمارة أبوظبي والدولة وهي حلول بديلة تسبق اللجوء إلى القضاء، وهي فلسفة قائمة وممارسة ممتازة وسبق جيد في تجربة دولة الامارات العربية المتحدة ، وحَرِيٌّ بنا تسويقها عالمياً كممارسة مُثلى.

                                                                                                                               ونواصل.


[1] - ميثاق العلاقة بين القضاء والمحاماة / دائرة القضاء – أبوظبي.

[2] - الأمانة كقيمة داعمة لسيادة القانون– ورقة عمل مقدمة من المستشار د. عبد الرحمن سليمان بمؤتمر المحامين والمستشارين العرب – أبوظبي 2014

[3]  - القانون وفقاً للعلامة د. عبد الرزاق السنهوري "بيان الحقوق".

[4] - سورة البقرة – الآية (179).

[5] - القانون رقم (12) لسنة 2018 بإنشاء دائرة تنمية المجتمع .

[6] - القانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2021 في شأن تنظيم التبرعات.

[7]  - أثر المسؤولية الشرعية والقانونية في المؤسسات الوقف - رسالة دكتوراة - صفحة 57 - الدكتور عبد الرحمن سليمان – مكتبة جامعة أم درمان الإسلامية – جمهورية السودان.

 [8] المنفعة هي الريع أو الدخل العائد على استثمار الأصول الموقوفة.

[9]  - القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2018 في شأن الوقف.

[10] - سوف نفرد مقالً مستقلاَ للوقف ودوره كرافعة اقتصادية ومُمَكِنة لتعزيز دور جهات القطاع الاجتماعي في دعم المجتمع. 

[11] - سنفرد مقالاً مستقلاً عن جديد منتدى الرعاية الاجتماعية، كون المقال الحالي قد خُصِّص للتعقيب على مقال المستشار د. سامي الخولي.

[12] - التبرعات : ( ما يجمع من أموال أيًّا كان نوعها نقدية أو عينية، منقولة أو ثابتة، بما فيها العملة الوطنية والعملات الأجنبية والسندات والصكوك والأسهم، وأيًّا كان شكلها بما في ذلك الإلكتروني أو الرقمي، وذلك للإنفاق منها على أوجه البر أو تقديم الخدمات والمساعدات الخيرية أو الإنسانية).  بينما المساهمات المجتمعية ذات مفهوم مغاير ضمن المادة (4/1)  من القانون رقم (6) لسنة 2019 بإنشاء هيئة المساهمات المجتمعية –(معاً) كما سلف بيانه.

تم نسخ الرابط