ظاهرة عجيبة وكأنها صارت من لوازم الكون الإسلامي المعاصر.
وإني هنا سأتناول شأنا غريبا هو من فتن الحياة، بل أخطر فتنها التي تحبط العمل، وتذيب الثواب، وتنحت الأجر، لو لم يفطن إليها صاحبها، وليست الغرابة فيها لكونها من مغريات الحياة التي نعرف عنها هذا المصير، ولكن غرابتها حينما نرى هذه العواقب الوخيمة وهذا السقوط الخطير، يحدث في أعز الاماكن وأطهر البقاع على الأرض، يحدث في المساجد التي يتخذها الناس للعبادة، ويفترض لها أن تكون موئل خشوعهم ونماء إيمانهم ويقينهم.
أنا هنا ياقارئي أتحدث عن مرض اجتماعي، وإن شئت قل: مرض ديني، وإن توسعت أكثر فقل: مرض قروي، فهو أكثر ما تجده في القرى والنجوع، ويخف أحيانا في المدن والحواضر.
المساجد وما أدراك ما المساجد، حولها بعض الناس اليوم إلى ما يشبه (دار الندوة) في ساحة قريش بالجاهلية، كلهم يتصارع على الزعامة والقيادة فيها حتى تسود كلمته، ويكون الأظهر والأعلى على الجميع.. وبدلا من أن يأتي بعض الناس للعبادة والخضوع بين يدي الله، صاروا يأتون لإثبات السيادة والزعامة والقيادة، وكأنهم يرضون غرورًا في أنفسهم، أو نزعة نفسية تلح عليهم.
أصحاب المعاش وما أدراك ما أصحاب المعاش، في كل قرية وفي كل مسجد بكل قرية، تراه وقد ترك عمله الذي كان فيه مديرا او وزيرا او مسؤولا يطيعه الجميع، ولا يتجرأ أحدهم أن يرفض له طلبا، تراه حينما يتقاعد ويفقد كل ذلك، لا يجد مكانا يعيد إليه سلطانه وأحاسيسه القيادية غير المسجد.
حتى بعض الفلاحين في حقولهم، يسارعون إلى إنهاء عملهم مهرولين إلى المسجد حتى يمارسوا فيها دور الزعامة على الموظفين والمتعلمين.
بل علمت رجلا ثريا كانت له شركة كبيرة وثروة طائلة، ولما كبر سنه عجز ان إدارة شركاته، فتركها لأبنائه، وقام ببناء مسجد كبير، وبدلا من أن يترك الناس يعبدون ربهم فيه بحرية، بدأ يمارس عليهم دور الزعامة البغيض، حتى كره الناس مسجده والصلاة فيه.. وهكذا تتحول المساجد إلى صراع يفسد على الجميع عبادته لربه، وتكون خطواتهم التي يخطونها إلى محرابه، خطوات شيطان ليست إلى الله في شيء.!
وعلى أي شيء نتسابق، يقول الحق تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) في الخير والبر والإحسان وليست في الزعامة والظهور والعلو، ويقول الحق في الحديث القدسي: (من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه) فهل تقبل أيها المسلم أن يضيع ثوابك مقابل زعامة فارغة، ورئاسة زائفة؟
اعبد ربك يا رجل وأخلص في عبادته، وارم خلف ظهرك كل صراع على الدنيا، وكل تهافت عليها..
يريد أحدهم الزعامة على المسجد، فليتزعم وليكن له ما يريد، إن كان يريد الدنيا وغرورها.
يريد السيادة على المسجد فليتسيد وليكن له ما أراد، لكن السيادة العظمى في إرضاء الله وحده والبعد عما يسخطه ويجلب غضبه.
اهرب بسرعة من هذا الفخ الذي ينصبه لك الشيطان، فر منه فرارك من الأسد، ولتتزيا بزي الخشوع والإنابة إلى الله والافتقار إليه.
قد يخالف جار جاره على أي شأن من شؤون الدنيا، ويقهر أحدهما الآخر ويغلبه، فلا يجد الطرف المغلوب مكانًا ينتصر فيه على خصمه إلا المسجد، يتسيد عليه فيه ويستقوي بزعامته فوقه، فهل هذا يصح وهل يكون مقبولا، وهل هذا أمر يرتضيه الله؟
قل لي بالله عليك: كيف تقف بين يدي الله وأنت تحمل هذه المشاعر البعيدة عن معاني العبودية الحقة؟ وتشغل همك هذا يقف إماما وهذا لا يقف، هذا يتقدم في الصف الاول وغيره في الصف الثاني، هذا يؤذن وغيره يحرم عليه الأذان.!
ولله در رجل قابلته يومًا فحكى لي كيف تحول المسجد في قريته إلى صراع على الزعامة بين القبائل، فأعرض عن كل هذا الهراء، ولم يشترك في أي غليان تمور به النفوس، فقال له أحدهم يوما: يعجبني فيك أنك بعيد عن كل هذا التناحر البغيض، فرد عليه بقوله: يا أخي إنني أصلي الركعتين إلى الله، وأنا خارج على باب المسجد أقول في نفسي: يارب هل تقبلتهما أم لا! ؟
بهذه الروح يجب أن يلتزم الجميع، وبهذا الفهم يجب أن ندرك خطورة المساجد، لو أننا أخذناها مرتعا لصراعات الدنيا، لأنها وبهذا المسار، كفيلة أن تهدم كل عبادة أقمناها لله فيها، فأساس العبادة في القلب السليم، والقلب على هذه الصورة مشغول بغير الله سبحانه.
وبعد هذا الحديث لقد انتهيت من كلامي، فهل يعي الناس مقصدي، ويفهمون غرضي، ويرون نيتي؟
هل ذكرت اسما أو لوحت بعائلة أو عنيت جماعة.. هي نصيحة خالصة لوجه الله وحده.. يمكن أن تكون جريئة، ويمكن أن تكون شديدة، يمكن أن تضايق، يمكن أن تُسبب ليزكرها، لكنها في المقام الأول نصيحة لكل من عرفت قدماه طريقهما إلى المسجد.
فروا ياقوم من دعوات الشيطان وفخاخ إبليس، أدركوا أنفسكم من هذا (الكمين) وإن حكم الأمر أن تصلوا الفريضة ثم تهرولون جريا وهروبا من المسجد فافعلوا، لأنكم لو بقيتم فيه لكان بقاءكم محملة لفساد القلوب، والفرار من المكث في المسجد أحب إلى الله من أن تَفسد القلوب، وقد كنت أحب أن أقول لك: صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في المسجد الذي صار يفسد على البعض نفسه وطاعته لربه، لكنني لا أستطيع أن أقولها أبدا، لأنني وقتها أكون ممن يخرب بيوت الله.
إن هذا المرض العضال في كل مكان وكل قرية وكل حي، لا يسلم منه مسجد من المساجد، حتى ولو مصلى صغير تجد له زعيما أو ندا لهذا الزعيم، وغرضي من هذا أنني لا أقصد أحدا بعينه ووصفه، وإنما أعكس صورة نجدها في المجتمع والحياة والمساجد…ألست معي بعد ما ذكرت أن الفرار من المساجد ضرورة لو كان يسلم إلى هذا المآل الوخيم.؟