ذات يومٍ كُنت أسير بأرضٍ جدباء فَلقيت عجوز تطلب مِنَّي شَربة ماء.
قلت هذه الآنية كلها لكِ يا سيدتي.
قالت: وأنت؟
قُلت: إن واجهتي قريبة وما يزال أثر الماء في حلقي وانصرفت ماضيًا إلى واجهتي فشعرت أن قلبي يلامس السماء.
ذات يوم قال لي ولدى:
يا أبي: قد سمعت الشيخ يقول أن هناك قصورًا أعدها الله للمتقين في الجنة فهل لو دعوت الله أن يُبْدل قصر لي إلى كوخ صغير لطفل بائس في الدنيا بلا مأوى يستجيب؟
قلت نعم يتسجيب يا بني .. نعم بيجيب.
ولما سمعته يهمس إلى الله في سجوده بدعائه اطمأنيت على إيمانه فشعرت أن قلبي يلامس السماء.
ذات يوم قابلت فتاة ليل بطريق غلفه برد الشتاء كان جسدها يرتعد فخلعت مِعْطَفي و ألقيته فوق نصف جسدها العار
قالت لي بقلب مكسور:
لقد سترتنى!.
قلت: لا
بل الله سترك !..لا أريد أن أراكِ هنا بعد اليوم ولم أعد آراها فشعرت أن قلبي يلامس السماء.
ذات يوم مررت بقوم يَخطب فيهم رجل .. يحدثهم بكل خرافة فقلت يا هذا:
ليس هذا من العلم أو الدين
إنها أكاذيب فنهرني وصاح في وجهي : انصرف .. ! فانصرفت لكنني لمحت شاب قد انسل من بين الجمع وقال لى:
يا هذا: إنى أتْبعك فشعرت أن قلبي يلامس السماء.
ذات يوم جاء يطلب مِنَّى أن أغفر وأن أعفو .
فقلت: أما الغفران فلست أملكه وأما العفو فقد أعطيته منذ زمن فلا حقد في القلب ينفع صاحبه ولا عفو كنت مانعه فشعرت أن قلبي يلامس السماء .
ذات يوم كنت أدين صاحب شيب ببعض مال وعلمت أن الدين أعجزه وما عاد يقدر على الوفاء فقلت له: لقد وُفَّى الدين !
فقال متعجبًا: من الذي أوفاه هذا؟!
قُلت من وهب المال ، فبكى. فشعرت أن قلبي يلامس السماء .
ذات يومٍ طَرقتُ باب ذليل كان عزيز في قومه.
قال لي: ما عاد أحد يطرق بابي
قلت: أنا أطرق بابك فلا خير فينا إن لم نطرق أبوابًا ، أوصدها تقلب الخطوب والأيام، فربت فوق كتفي
فشعرت أن قلبي يلامس السماء.
ذات يوم و ذات يوم و ذات يوم ... !
إن أبعد النقاط عن الأرض تستطيع قلوبنها أن تلامسها دون عناء ... !
وأن كل المسافات التي تَفْرقنا عن السماء نستطيع أن نطويها بصلوات مثل هذه تُطَهر أجسادنا وتسمو بها أرواحنا وينعم بها وجداننا ... !
لا نكون أبداً من غلاظ القلوب الذين يصدون أكف الضعفاء وقد لجأت إليهم ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا من يطلب رجاءهم.
لسنا من هؤلاء الذين يُحصُون على الناس خطاياهم وهم غرقى في الخطايا.
نريد من يقبلنا برداءاتنا التي عَلقت بها الخطيئة يَنْفضها عنّا ثم لا يُذَكِّرنا بها أبداً.
نريد من نغسل أقدامه بدموع توبتنا فيتلطف بنا ويحنو علينا ثم يأخذنا إلى طريق الصلاح والرضاء على النفس.
نريد من يأخذنا إلى الخلود حتى تبيت نفوسنا المتهدجة هادئة مطمئنة.
في سكينة الليل تُبيح لكَ قُلوبنا بأسرارٍ ما عاد يحمل أثقالها غَيرك وعند الفجر عندما تحمل الجفون عَبرات أحزاننا تهتز الأرجاء بعطفك علينا ... !