ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ما أطيب ذكريات النصر التي يفوح شذاها بحلول أكتوبر؛ فيتضوع مسكًا يستطيبه أولو العزة والنخوة والكرامة .. نصر أكتوبر إحساس لا يوصف، بل يعاش!

إن هذا الانتصار العظيم علّم العالم كله كيف تكون التضحية! وكيف يكون الاصطفاف والتلاحم! وكيف يكون الإيمان واليقين بالنصر إذا أُخذ بأسبابه!

    إن هذا الوطن غالٍ وأنفس من أي نفيس، ولم لا ومصر هي التي مشى على أرضها أنبياء الله: الخليل إبراهيم، ونبي الله إدريس، ونبي الله يعقوب، ونبي الله موسى، ونبي الله عيسى عليهم جميعا صلوات الله وتسليماته، ولقد مشي على ترابها أيضًا العديد من أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، بل لقد دفن عدد كبير منهم في قرية البهنسا في محافظة المنيا؛ مما جعل عددًا من المؤرخين يطلقون على هذه المقابر البقيع الثاني، أو بقيع مصر. ولقد قال عنها سيدنا عمرو بن العاص: "ولاية مصر تعدل الخلافة"

    إن مصر هي من علّمت العالم كيف تكون الحضارة! وكيف يُصنع المجد التليد! فالمصريون من أوائل من اخترعوا الكتابة، فهم من ابتكروا الكتابة الهيروغليفية عام (3200) قبل الميلاد؛ ليوثقوا الأحداث، ويحفظوا المعاملات عبر الزمن.

     وبحضارة مصر يتغنى المستشرق الأسكتلندي "جيمس بيكي"في كتابه " مصر القديمة" قائلًا:«وَلْأضربْ لك مثلًا بالهرَم العظيم الذي لا يزال أُعجوبة الدنيا، فهو لم يُشيَّد قبلَ أي بناءٍ قائم الآن في أوروبا بآلاف السِّنين فقط، وإنما شُيِّد قبل أن يُباع يوسفُ ويصيرَ رقيقًا في منزل بوتيفار، وآلاف الأعوام قبل أن يسمعَ إنسانٌ بالإغريق والرُّومان..... كان يحكم مصرَ ملوكٌ عِظام يبعثون سُفنهم لتستكشف البحارَ الجنوبية. وكان حكماء المصريين يضعون الكُتب التي نقرؤها الآن.»

   وإذا نظرنا إلى كرم المصريين، فإننا سنجد أنفسنا أمام شعب مضياف يجري الجود في أوردته، فالمصريون هم أول من أقام موائد الرحمن؛ لإفطار الصائمين وإكرامهم، بل إن مصر هي التي أطعمت العالم أجمع حين أحلت به المجاعة التي لم تبقِ ولم تذرْ أحدًا على عهد سيدنا يوسف عليه السلام، إذ جعلها الله الأمل لنجاة الناس من براثن الجوع، فكانت مستودع الطعام في ذلك الآنِ للعالم كله.. قال تعالى على لسان سيدنا يوسف:" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"

      وفي فضل مصر وكرمها يقول المؤرخ ابن الكندي: " فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض، والأيام والليالي بعضها على بعض، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه؛ بالكرم وعِظم المنـزلة، وذكرها باسمها، وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم"

      ومصر هي التي افتخر فرعون بها وبنيلها العظيم حين قال لقومه: " وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ "

       ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بمعاملة أهل مصر معاملة طيبة، فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (إنكم ستَفْتَحُون مِصرَ، وهي أرضٌ يُسمَّى فيها القِيرَاطُ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمَّةً ورَحِمًا)

يقول صلاح الدين الصفدي:

من شاهد الأرض وأقطارها          والناس أنواعا وأجناسا

ولا رأى مصر ولا أهلها               فما رأى الدنيا ولا الناسا

      ولمصر دورها الريادي المحوري قديمًا وحديثًا، وخير شاهد على هذا وقوفها في وجه من أراد أن يفرغ القضية الفلسطينية من جوهرها، وصدعها بصوت النصرة والعزة والشموخ: لا وألفُ لا لتهجير الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم!

    وليس هذا بمستغرب على مصر التي تحطمت على أبوابها آمال المحتلين والمعتدين، وعادوا إلى حيث جاءوا خالي الوفاض يجرون أذيال الخيبة والهزيمة..

ستبقى مصر بنيلها وأهلها شامخة حرة أبية!

    فاللهَ اللهَ يا مصريين في مصر، ولا تنسوا فضل وطنكم عليكم، ولله در الرافعي:

وليسَ من الأوطانِ من لم يكن لها       

     فداءً وإن أمسى إليهنَّ ينتمي

ومن يظلمِ الأوطان أو ينسَ حقها       

      تجئه فنون الحادثات بأظلم

تم نسخ الرابط