ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حيثيات الحكم في فقدان تمثال أوزوريس من المتحف الكبير وتزوير مستنداته

المستشار جلال عبد
المستشار جلال عبد اللطيف

أودعت محكمة جنايات الجيزة، حيثيات حكمها في قضية فقدان تمثال أوزوريس من مخازن المتحف المصري الكبير، التي انتهت بمعاقبة المتهم الأول بالسجن 5 سنوات، والمتهم الثاني بالسجن 3 سنوات.

وقالت المحكمة في حيثياتها، برئاسة المستشار جلال عبد اللطيف، وعضوية المستشارين ملهم مختار محسن وحسام هاشم حسن، وأمانة سر وجيه أديب وصلاح السيد، إن واقعة هذه الدعوى – حسبما استقر في يقين المحكمة واطمأن لها وجدانها، واستخلصتها من مطالعة سائر الأوراق وما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة – تتحصل في أن المتهم الأول مسعد أبو مبروك، بصفته أمين العهد الأثرية ورئيس مخزن الآثار غير العضوية رقم (91) بمركز ترميم الآثار بالمتحف المصري الكبير سابقًا، ورئيس قسم الآثار اليونانية والرومانية بالمتحف المصري حاليًا، تسلّم من بين عهدته الأثر رقم 49 gem no19930 - other بتاريخ 10 / 10 / 2012 بموجب محضر تسليم وتسلم، وهو تمثال من البرونز للإله أوزوريس، ومقيد بهذا الوصف على قاعدة بيانات المتحف المصري الكبير، من أمين المخزن السابق تامر إبراهيم النواجي، بموجب محضر تسليم تم نسخه بالمسح الضوئي على قاعدة البيانات بالمتحف، متضمنًا وصف الأثر بأنه “تمثال من البرونز لأوزوريس أو أوزير، بحالة مؤكسدة وبه شروخ وفاقد أجزاء”.

كما ورد في محضر الاستلام المؤرخ 26 / 12 / 2010 للأمين السابق، بموجب لجنة كان من بين أعضائها المتهم الأول بصفته أثريًا مساعدًا في عملية المطابقة للوصف الأثري، والمتهم الثاني محمد بدر الدين حسن كأحد أعضاء اللجنة التابعة للمخزن المتحفي بأطفيح، الوارد منه الأثر بالوصف آنف البيان لمطابقة القطع الأثرية محل محضر التسليم المؤرخ 26 / 12 / 2010. وقد أُثبت الأثر بهذا الوصف في المستندات الرسمية، ومن بينها دفتر أحوال مخزن (91) وصفحة السجل العام لقيد الآثار بجهتها الأصلية “المخزن المتحفي بأطفيح”، وقاعدة البيانات بالمتحف الكبير.

وأضاف المتهم الأول ملاحظة عند استلامه الأثر بأن حالة التمثال “سيئة”. وأثناء مباشرته لعهدته من الآثار اكتشف فقد التمثال سالف البيان، واستمر في عهدته بوصفه السابق، وأبلغ المتهم الثاني بواقعة اختفاء التمثال. 

وإزاء ذلك أتى بعملة مزيفة لوضعها بدلاً من التمثال، وارتكب لإتمام هذا التزوير أفعالاً تمثلت في العبث بالصفحتين (54، 55) من دفتر تحركات مخزن الآثار غير العضوية رقم (91)، فقام بمحو وصف الأثر من المحضر المؤرخ 10 / 10 / 2012 الذي وصف فيه الأثر برقم gem no19930 - other بمزيل أبيض، ودوّن وصفًا جديدًا بقلم مغاير لما هو محرر بذات الصفحة، بأن كتب على خلاف الحقيقة عبارة:

“قطعة عملة من البرونز، على الوجه رأس الإسكندر، وعلى الظهر أحد المعبودات”، بخط يده، مما أدى إلى اختلاف توصيف الأثر عن الوصف السليم المثبت بالسجل العام لقيد الآثار في مخزن أطفيح، ومحاضر التسليم والتسلم المؤرخة 26 / 12 / 2010 و 10 / 10 / 2012.

واستمرت هذه المخالفات إلى أن تمت إجراءات نقل عهدة المتهم الأول – ومن بينها الأثر “التمثال” – إلى خلفه نهلة نبيل سليم، حيث قام المتهم في 29 / 1 / 2015 بمحو وصف التمثال وتحويله إلى “عملة من البرونز”، وتم إثبات هذا التزوير في المحضر الذي أُعد لإثبات التسليم والتسلم بتاريخ 29 / 1 / 2015، بمناسبة تسليم المتهم الأول عهدته إلى نهلة نبيل سليم، بوصف الأثر المزور بأنه “قطعة عملة من البرونز” والتي ثبت تقليدها وتزييفها، وليست بأثرية.

وتمادى المتهم الأول في تزوير المستندات التي تُبين حقيقة الأثر بأنه “تمثال من البرونز لأوزوريس”، فأثبت بالصفحتين (262، 263) من دفتر أحوال مخزن الآثار غير العضوية، والمتضمن فتح المخزن لإثبات تسليم المتهم عهدته إلى نهلة نبيل سليم، بأنه وصف الأثر على غير الحقيقة بأنه “عملة من البرونز”. دعمًا لجريمة التزوير، تمكن من إخفاء الأصل الورقي لمحضر استلامه القطع الأثرية من الأمين السابق تامر إبراهيم النواجي، المأخوذة منه نسخة بالمسح الضوئي المتضمنة الوصف الصحيح للأثر بأنه “تمثال من البرونز”.

واستمرارًا منه في ارتكاب التزوير، أثبت بالسجل المعد لقيد العملات الأثرية الموجودة بالمتحف إضافة الرقم gem no19930 - 49 other بمعرفته، وبصفته عضو لجنة التسجيل بالدفتر، بوصف “قطعة عملة على أحد وجهيها رأس ملك الإسكندر المقدوني، وعلى الوجه الآخر أحد المعبودات الإغريقية”. 
ثم ارتكب تزويرًا بالاشتراك مع المتهمين الثاني والثالث في قاعدة بيانات المتحف الإلكترونية، بإثباته في محرر رسمي إلكتروني أن الرقم 49 gem no19930 - other هو “عملة”، بالرغم من كونه “تمثالًا”، وذلك بالاتفاق ومساعدة كل من المتهمين الثاني والثالث، بصفته المسئول عن قاعدة البيانات في ذلك التوقيت، لطمس بيانات الأثر “التمثال” واستبداله بالعملة المزيفة.

وتمكن المتهم الأول من استعمال تلك المحررات المزورة مع علمه بتزويرها حال تسليمه العهدة إلى نهلة نبيل سليم.

وإمعانًا من المتهم الثاني محمد بدر الدين حسن – الذي ترأس لجنة التسليم – في التزوير، قام بتزوير محضر التسليم المؤرخ 29 / 1 / 2015، مع علمه بالتزوير، بإثبات استلام نهلة نبيل سليم الرقم الأثري المعطى للتمثال بوصف مزور بأنه “عملة معدنية مزيفة”، مع علمه بتزييفها على غرار العملات الأثرية، فحرر إقرارًا بخط يده بمسؤوليته عن عدم وجود التمثال، بما يكشف عن علمه بوقائع التزوير واشتراكه فيها، وعدم موافقته على الإبلاغ بواقعة فقد التمثال، وعلمه التام بالتزوير في المستندات الورقية والإلكترونية، واستعمال هذه المحررات بمشاركة المتهم الثالث، القائم على قاعدة البيانات الإلكترونية المختص بإثبات القطع الأثرية بقاعدة البيانات.

وإمعانًا من المتهم الأول في ارتكاب جريمة التزوير، قام بتدوين بيانات العملة المزيفة في سجل قيد العملات بذات رقم التمثال سالف البيان، بتوجيه من المتهمين الثاني والثالث وقت تحرير المحضر المؤرخ 29 / 1 / 2015 بشأن تسليم نهلة نبيل سليم العهدة منه، مع علم المتهم الثاني بواقعة فقد التمثال من المتهم الأول، ومحاولة الأخير إيجاد بديل للتمثال المفقود دون اتخاذ أي إجراءات للإبلاغ عن اختفائه، رغم كونه مدير إدارة مخازن الآثار والتسجيل بالمتحف الكبير، وعلى علم تام باستلام نهلة نبيل سليم رقم التمثال على أنه “عملة من البرونز”، حال كونه عضوًا بلجنة التسليم، ومقرًا بصحة الإقرار المحرر منه بتحمله مسؤولية القطعة الأثرية “التمثال”، ومحاولته إيجاد بديل من تمثال مقلد. 
كما أصر المتهم الثالث على أن يتم التسجيل بالعملة المزيفة بدلًا من التمثال، وهي العملة التي جاء بها المتهم الأول، وقد قام من زيفها على غرار العملات الأثرية، بينما قام المتهم الثالث برفع صورة قطعة العملة المزيفة على قاعدة البيانات بذات رقم التمثال، وهو يعلم بتزوير ما أثبته في قاعدة البيانات الإلكترونية.

حيثيات الحكم: فقد تمثال أوزوريس أقرب للواقع من واقعة الاختلاس

وحيث إنَّه من المقرر، وفقًا لحكم المادة (۳۰۸) من قانون الإجراءات الجنائية، أن للمحكمة أن تُغيّر في حكمها الوصف القانوني للفعل المسند إلى المتهم، ولها أن تُعدِّل التهمة بإضافة الظروف المشددة التي تبيَّن من التحقيق أو من المرافعة بالجلسة. 
كما أن تطبيق قاعدة تقييد المحكمة بحدود الدعوى لا يمنعها من أن تستبعد بعض الوقائع التي نسبتها سلطة الاتهام إلى المتهم، متى لم يثبت لديها صحتها.

وكان من المقرر أن مجرد وجود عجز في حساب الموظف أو في عهدته لا يمكن أن يكون بذاته دليلًا على وقوع الاختلاس، لجواز أن يكون ذلك ناشئًا عن خطأ في العمليات الحسابية أو لسببٍ آخر.

وحيث إنه ثبت للمحكمة أن المتهم قد تسلَّم تمثالًا من البرونز للإله "أوزوريس" من بين ما عُهد إليه بحفظه، إلا أن البين من أوراق الدعوى، وبشأن ما أُسند إلى المتهم الأول من واقعة اختلاس هذا التمثال الذي تسلمه بوصف أنه تمثال من البرونز لأوزوريس به شروخ ويفتقد بعض الأجزاء، أن عملية تسليم وتسلم القطع الأثرية ونقلها من أماكنها الأصلية إلى المتحف المصري الكبير قد شابها قدرٌ من عدم الدقة في إجراءات التسليم والتسلم، وعدم المطابقة لكل قطعة على حدة، وأن التسليم كان يعتمد أساسًا على محاضر ورقية.

ولما كان الثابت لدى المحكمة أن المتهم الأول، وإن كان من بين ما تسلمه التمثال المنسوب إليه اختلاسه، إلا أن ذلك لا يكشف عن قيامه باختلاسه لنفسه، وأن واقعة فقد التمثال التي أقر بها هي الأقرب إلى الواقع، وفقًا لما حملته أوراق الدعوى.

ومن ثم، فإن المحكمة لم يثبت لديها من الأوراق قيام أو تحقق جريمة الاختلاس كما هي مقررة قانونًا، وتستبعد هذه التهمة المنسوبة إلى المتهم الأول، وكذلك اشتراك المتهمين الثاني والثالث فيها، لعدم توافر الدليل القاطع على اختلاس المتهم الأول للأصل الورقي للمحضر المؤرخ في ۱۰ / ۱۰ / ۲۰۱۲ المثبت لاستلامه التمثال الأثري محل جريمة الاختلاس المنسوبة إليه من النيابة العامة.

المحكمة: المتهمون زوّروا مستندات رسمية لإخفاء اختفاء تمثال أثري

أوضحت المحكمة في حيثيات حكمها إنه من المقرر أن رسمية الورقة تقتضي أن يكون محررها موظفًا عموميًا مختصًا، بمقتضى وظيفته، بتحريرها أو بالتأشير عليها، أو أن يتدخل في تحريرها. وقد تستمد الورقة رسميتها من ظروف إنشائها، أو من جهة صدورها، أو من البيانات التي تُدرج بها، ولزوم تدخل الموظف لإثباتها.
كما أنه بمجرد تغيير الحقيقة بطريق الغش، وبالوسائل التي نص عليها القانون، في الأوراق الرسمية، تتحقق جريمة التزوير، بصرف النظر عن الباعث على ارتكابها، متى كان المقصود منها تغيير الحقيقة في مضمون المحرر. ويتحقق الضرر في جريمة التزوير في الورقة الرسمية بمجرد تغيير الحقيقة، لما في ذلك من عبث بحجيتها وقيمتها التدليلية.

وحيث ثبت من أوراق الدعوى أن المتهمين الثلاثة ارتكبوا جرائم التزوير واستعمال محررات مزورة في مستندات ورقية وإلكترونية، إذ قام المتهم الأول – بقصد إخفاء واقعة اختفاء التمثال المسلم إليه ضمن عهدته – بطمس وصف التمثال في الصفحتين (٥٤، ٥٥) من دفتر تحركات مخزن الآثار غير العضوية رقم (۹۱)، وذلك بإزالة البيانات المثبتة بخط يده باللون الأبيض، والتي تفيد استلامه للتمثال المؤرخ ۱۰ / ۱۰ / ۲۰۱۲، واستبدالها ببيانات أخرى مزورة تضمنت وصفًا مختلفًا هو "قطعة العملة المقلدة".

وقد ثبت أن المتهم الأول دوَّن بخط يده تلك البيانات المزورة بعد إزالة البيانات الصحيحة، وأقرَّ في تحقيقات النيابة العامة بارتكابه هذا التزوير بقصد إخفاء حقيقة الأثر المفقود. كما امتدت يده إلى العبث بمحضر أحوال المخزن الخاص بتسليم العملات والمعادن، فأثبت به واقعة مزيفة تتعلق بقطعة العملة، وقد تأيد ذلك بما ورد بتقرير أبحاث التزييف والتزوير، الذي أثبت قيام المتهم بتحرير التوقيعات في الصحائف (٥٤، ٥٥، ٥٦) من ذات الدفتر، والمتضمنة بيانات المحضر المؤرخ في ۱۰ / ۱۰ / ۲۰۱۲.

واستمر المتهم الأول في ارتكاب جريمة التزوير بإدخال بيانات مزورة في صُلب الصحيفتين (٢٦٢، ٢٦٣) من دفتر أحوال ذات المخزن، وكذلك في البند رقم (٣٤) بالصحيفة رقم (9) من سجل قيد العملات الأثرية، والذي تضمَّن بيانات عن الرقم الأثري (۱۹۳۳۰) وعشر قطع أثرية من المعادن. وهو ما يشكل في حقه جريمة تزوير مكتملة الأركان المادية والمعنوية، واستعمالًا لتلك المحررات المزورة، محتجًا بها في مواجهة المسئولين بجهة عمله، وحال تسليمه العهدة لخلفه، بعد أن أدرج العملة المزيفة بدلاً من التمثال المفقود لإخفاء واقعة الفقد والاختفاء.

حيثيات الحكم: تلاعب إلكتروني وورقي لإخفاء تمثال أوزوريس واستبداله بعملة مزيفة

كما ثبت ارتكاب جريمة التزوير الإلكتروني في قاعدة البيانات الخاصة بالمتحف، وذلك باشتراك المتهمين الثاني والثالث مع المتهم الأول، إذ قاموا معًا بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة، عن طريق حذف بيانات التمثال وإضافة بيانات قطعة العملة المعدنية المزيفة، بعد إدخال البيانات البديلة محل الأصلية. وكان المتهم الثالث هو المختص بقاعدة البيانات الإلكترونية والمسؤول عن الدخول إليها وإجراء التعديلات عليها. وقد تأيد ذلك من الاطلاع على الصفحة الإلكترونية الخاصة بالتمثال، والتي ظهر بها حذف اسمه وإضافة العملة المعدنية المزيفة بدلاً منه، ومن إقرار المتهم الثاني المحرر بخط يده، وما أقر به المتهم الأول في التحقيقات.

كما ارتكب المتهم الثاني جريمة تزوير في محرر رسمي، هو محضر تسليم وتسلم العهدة الأثرية المؤرخ في ۲۹ / ۱ / ۲۰۱۵، حال تسليم المتهم الأول العهدة إلى نهلة نبيل سليم، إذ أثبت على خلاف الحقيقة أن الرقم الأثري المشار إليه يخص "عملة معدنية"، بينما الحقيقة أنه تمثال برونزي للإله أوزوريس، واحتج بالمحرر المزور في مواجهة المسئولين بجهة عمله.

وحيث إن المتهم الأول، وهو رئيس قسم الآثار اليونانية والرومانية، قام بتزييف قطعة العملة المزيفة على غرار العملات الأثرية التي تعود إلى العصرين البطلمي والروماني، وعرضها على المتهمين الثاني والثالث اللذين أقرّا بصلاحيتها لتغيير الحقيقة في الأوراق الرسمية والإلكترونية، مع علمهما بتزييفها، واشتراكهما معه في ذلك. وقد قصدوا جميعًا إدخال تلك العملة المزيفة إلى مخزن الآثار غير العضوية رقم (۹۱) لإيداعها بدلاً من التمثال الحقيقي، وكان المتهم الأول هو المتخصص في الآثار الرومانية والبطلمية التي نُسبت إليها تلك العملة.

وقد تأيد ذلك بما ورد بالتقرير الفني الذي كشف عن عدم أثرية العملة المزيفة وعدم صلتها بالآثار، وما أقر به المتهم الأول في تحقيقات النيابة العامة، وما أورده تقرير أبحاث التزييف والتزوير بشأن إثبات العملة المزيفة في الدفاتر ومحاضر التسليم على النحو السالف، وما ثبت من تزييف العملة المعدنية وعدم أثريتها.

تم نسخ الرابط