شهد الأسبوع الماضي حدثًا دبلوماسيًا مهمًا تمثّل في الزيارة الرسمية الثانية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية الهند، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة بعد نحو تسع سنوات من زيارته الأولى عام 2015، حين شارك كضيف شرف في احتفالات الهند بيومها الوطني في 26 يناير، وهو التاريخ الذي أُعلن فيه دستور جمهورية الهند عام 1950، ليصبح من أبرز أعيادها القومية.
وتُعدّ هذه الزيارة الجديدة امتدادًا طبيعيًا للعلاقات التاريخية والاستراتيجيةالتي تربط بين القاهرة ونيودلهي، والتي تقوم على التفاهم والتقارب الحضاري والثقافي والسياسي.
وجدير بالذكر أن للهند ثلاثة أعياد وطنية رئيسية هي: يوم الجمهورية 26 يناير 1950، وعيد الاستقلال 15 أغسطس 1947 الذي يرمز إلى التحرر من الاستعمار البريطاني، وذكرى ميلاد المهاتما غاندي في 2 أكتوبر، الزعيم الروحي لحركة التحرر السلمي وأحد رموز الإنسانية العالمية.
من الناحية التاريخية، تشترك مصر والهند في مسار سياسي متقارب منذ منتصف القرن العشرين، حين كان الزعيمان جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو من أبرز مؤسسي حركة عدم الانحياز، إلى جانب الرئيس اليوغوسلافي تيتو. كانت تلك الحركة رمزًا لاستقلال القرار الوطني ومحاولة لإيجاد طريق ثالث بين المعسكرين الشرقي والغربي في زمن الحرب الباردة.
اليوم، تتجدد هذه الروح من خلال تعاون جنوب-جنوب، الذي تسعى القاهرة ونيودلهي إلى تنشيطه في إطار تكتلات جديدة مثل مجموعة البريكس، والتي من المقرر أن تتولى الهند رئاستها عام 2026. هذا الامتداد يؤكد أن المبادئ القديمة للتعاون والتضامن بين الدول النامية لا تزال حية ومتجددة بروح عصرية تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة.
على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، هناك تشابه لافت بين البلدين؛ فكلاهما دولة شابة، إذ يشكل الشباب النسبة الأكبر من السكان، ما يجعل الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والابتكار أولوية وطنية مشتركة. كما يتميز كل من الشعبين بعمق حضاري وثقافي يمتد لآلاف السنين، حيث قامت على أرضهما من أقدم الحضارات في التاريخ الإنساني.
هذا التقارب الإنساني والثقافي يظهر أيضًا في العلاقات الأكاديمية والتعليمية، إذ تستقبل الجامعات المصرية عددًا متزايدًا من الطلاب الهنود، خاصة في جامعة الأزهر وجامعة عين شمس، ضمن برامج التعاون العلمي والثقافي التي تعزز التفاهم بين الشعبين.
اقتصاديًا، تشهد العلاقات التجارية بين مصر والهند تطورًا مطّردًا. فمصر تستورد من الهند منتجات متنوعة أبرزها البهارات، والشاي، والسمسم، في حين تُصدر إليها القطن والأسمدة والمنتجات الكيماوية، مما يجعل التبادل التجاري بين البلدين أحد ركائز التعاون المستمر. كما تمثل الشركات الهندية أحد أهم المستثمرين في السوق المصرية في مجالات الصناعات الدوائية والطاقة والبتروكيماويات.
أما اليوم، فإن الزيارة الرئاسية الأخيرة تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقات الاستراتيجية، حيث تم التوافق على توسيع مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا الرقمية، المدن الذكية، الطاقة النظيفة، الأمن والدفاع، البنية التحتية، التعليم العالي، ومراكز الابتكار وريادة الأعمال. وتُعد هذه المجالات ترجمة عملية لرؤية مشتركة بين القيادتين المصرية والهندية من أجل بناء مستقبل قائم على التنمية المستدامة، والاعتماد على المعرفة، وتبادل الخبرات في مجالات الثورة الصناعية الرابعة.
إن ما يجمع مصر والهند اليوم ليس فقط التاريخ أو المصالح المشتركة، بل رؤية متقاربة لمستقبل أكثر توازنًا وعدلاً على الساحة الدولية، حيث تسعى الدولتان إلى ترسيخ دورهما كقوتين إقليميتين فاعلتين في محيط متغير، وإلى توظيف إرثهما الحضاري العريق في بناء عالم يقوم على التعاون والسلام والتنمية.
وهكذا، تظل العلاقات بين مصر والهند جسورًا من التاريخ تمتد نحو المستقبل، تجمع بين روح عبد الناصر ونهرو في الماضي، وطموحات الشباب في الحاضر، لتصنع معًا نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولي القائم على الاحترام المتبادل والتكامل الحضاري.
——
الدكتورة يسرا شعبان مدرس القانون بكلية الحقوق-جامعة عين شمس وعضو اللجنة العليا للإصلاح التشريعي و عضو اللجنة التشريعية بالمجلس القومي للمرأة