ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

يشهد العالم اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة، أصبحت معها الإنترنت والتقنيات الذكية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد والمؤسسات، بل وأساسًا لتطور الدول وتقدمها.
لكن في المقابل، أفرز هذا التطور شكلًا جديدًا من الجرائم لا يقل خطورة عن الجرائم التقليدية، بل يتجاوزها أحيانًا في التأثير، وهو ما يُعرف بـ الإجرام الرقمي.

ما هو علم الإجرام الرقمي؟

يُعد علم الإجرام الرقمي أحد الفروع الحديثة لعلم الإجرام، ويهدف إلى فهم سلوك المجرم الرقمي، ودوافعه، والأساليب التقنية التي يستخدمها في تنفيذ جرائمه.
فهو لا يكتفي بدراسة الفعل الإجرامي، بل يتعمق في تحليل البيئة الرقمية التي ساعدت على وقوع الجريمة، وكيف يمكن تتبعها وكشف مرتكبيها بالأدلة الرقمية.

الأمن السيبراني: خط الدفاع الأول

أما الأمن السيبراني، فهو مجموعة من الإجراءات القانونية والفنية التي تتخذها الدول والمؤسسات لحماية المعلومات والأنظمة الرقمية والشبكات الإلكترونية من أي استخدام غير مشروع.
وهو بذلك يمثل الدرع الواقي للمجتمع الرقمي، من خلال ضمان سلامة البيانات وسريتها وتوافرها للأشخاص المصرح لهم فقط.

من هو المجرم الرقمي؟

المجرم الرقمي هو شخص يرتكب سلوكًا إجراميًا عبر الإنترنت، مستخدمًا أدوات تكنولوجية حديثة لتنفيذ أفعاله غير المشروعة.
ويختلف عن المجرم التقليدي في خصائصه ووسائله وأهدافه، إذ يتصف بعدة سمات أبرزها:
1. الاحتراف التقني: يعتمد كليًا على الأجهزة الذكية والتقنيات الحديثة كأداة للجريمة.
2. إخفاء الهوية: يستخدم شبكات مجهولة أو هويات مزيفة لتضليل الأجهزة الأمنية.
3. التطور المستمر: يواكب تطورات الأمن السيبراني ليبقى متقدمًا بخطوة على محاولات كشفه.

أنواع الجرائم الرقمية

تنقسم الجرائم الرقمية إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
1. جرائم ضد الأفراد
مثل سرقة الهوية والبيانات الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والتشهير عبر المنصات الرقمية.
2. جرائم ضد الممتلكات
وتشمل اختراق الأنظمة وسرقة البيانات المصرفية، أو نشر الفيروسات لتعطيل المؤسسات.
3. جرائم ضد الدولة
مثل التجسس الإلكتروني على الأجهزة السيادية، أو اختراق المواقع العسكرية، أو نشر محتوى يهدد الأمن القومي كالدعوة للعنف والإرهاب.

المواجهة القانونية في مصر والإمارات

إدراكًا لخطورة هذه الجرائم، سنّت الدول تشريعات خاصة لمواجهتها، أبرزها في مصر:
القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي يجرم أي اختراق غير مصرح به للأنظمة أو البيانات، وتصل العقوبة فيه إلى الحبس المشدد أو المؤبد إذا مسَّت الجريمة الأمن القومي.

وفي الإمارات العربية المتحدة، صدر القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 لمكافحة الجرائم الإلكترونية، حيث تتراوح العقوبات بين الغرامة والحبس والترحيل، وتصل إلى السجن المؤبد في حالات التحريض على قلب نظام الحكم أو نشر التطرف الرقمي.

التعاون الدولي واتفاقية بودابست

على الصعيد الدولي، تمثل اتفاقية بودابست الإطار الأهم لتعزيز التعاون بين الدول لمكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، حيث انضمت إليها أكثر من 80 دولة، إضافة إلى نحو 50 دولة أخرى لم تصادق بعد على الاتفاقية.
وتهدف إلى تنسيق الجهود بين أجهزة إنفاذ القانون لتبادل المعلومات وملاحقة مرتكبي الجرائم الرقمية أينما وجدوا.

وفي النهاية يجب التأكيد على أنه لم يعد الإجرام محصورًا في العالم المادي، بل انتقل إلى الفضاء الإلكتروني، حيث يختلط العلم بالجريمة، والتقنية بالتهديد.
وفي المقابل، يقف الأمن السيبراني كحائط صد أول لحماية الأفراد والمؤسسات والدول من تلك الأخطار، مدعومًا بالقوانين الوطنية والتعاون الدولي.
ففي عصر تتحكم فيه البيانات، أصبحت حمايتها هي أمن الدولة الحقيقي.

——

حاصلة على الدكتوراة في القانون الجنائي وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي 

تم نسخ الرابط