ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

جلس الشاب أمامي بغرفة التحقيق الضيقة إلى حد ما.
لا أذكر أنني قد استمعت إلى أحد أو حققت معه إلا إذا كان جالساً لا سيما عندما يكون متهماً. 

يجب أن يعامل المتهم بطريقة تحفظ عليه كرامته وحتى يصير مستجمعاً لقواه وبخاصة في جرائم القتل العمد التي يكمن وراءها دائماً سر من أسرار النفس البشرية التي لا يدرك جذورها إلا الله سبحانه.
ليس من العدالة أن أحقق مع متهم متعب.
هذا ليس من أصول التحقيق ولا من شرف التحقيق.
كانت هذه وما تزال قناعتي.

لم تكن الواقعة التي شرعت في التحقيق فيها جريمة. لم يفرد لها القانون المصري نصاً تجريمياً. 

الانتحار ليس جريمة في قانون العقوبات والحقيقة أنه من الأصح ان نقول أن الشروع في الانتحار ليس جريمة في قانون العقوبات لأن الذي يتمكن من الانتحار لن تكون هناك وسيلة لمعاقبته كما أن الذي يشرع في الانتحار ثم ينجو من الموت فإن مقولة للدكتور محمد زكى أبو عامر ماتزال محفورة بذاكرتي والتي تقول: "إن من هانت عليه نفسه هانت عليه أية عقوبة" 
من أجل ذلك لا عقوبة على الشروع في الانتحار.

قلت عند بداية الحديث أن المحقق لا يجب أن يسأل إنساناً متعباً ، فما بالك وأنا أسأل إنساناً عائداً من الموت. إنها مهمة شاقة عسيرة. لقد هانت عليه نفسه ومن ثم فإن الدنيا كلها قد هانت في نظره .

كانت الأوراق تنطق أن سبب الإقدام على الانتحار هو الخيانة الزوجية. 

لقد اكتشف أن زوجته التي أحبها بكل جوارحه وقدم لها كل ما يمكن أن يقدم زوج لزوجة تخونه. والحقيقة أنها لم تكن من نوع الخيانة التي نعرفها.

 لقد عدَّ الزوج سلوك زوجته التي انحرفت مشاعرها عنه إلى آخر من طبقتها الاجتماعية الجديدة خيانة.

أبدى الزوج أقواله كاملة منذ أن ادخر من قوت يومه حتى تتمكن الزوجة من إكمال تعليمها الجامعى بكلية الطب. كانت من أسرة فقيرة ودون تضحيته لم تكن لتستطيع أن تلتحق بتلك الكلية بل وتتخرج فيها طبيبة لكنها تذكرت حينها أن فارقاً اجتماعياً بينها وبين زوجها الذي لولاه ما تمكنت أن ترتدي هذا المعطف الأبيض الذى تتباهى به.

عند نهاية التحقيقات أصر الزوج أن يرفق بالأوراق بعض مذكرات كتبها قبل إقدامه على الانتحار. استجيت له وعندما جنّ علىّ الليل بدأت في قراءة الأوراق التي تركها وكانت أشبه بخطاب يرسله إلى نفسه في عالم الخلود .
قرأت بكل ما أمتلك من جوارح ثم صغت هذه الكلمات التي استلهمتها من كلماته هو ومن حروفه هو
تقول الكلمات:  

لم أتصور أبداً أن المرأة يمكنها أن تخون أو حتى تنسى الود الذى قُدم لها ذات يوم قلب رحيم.

أَنظر إلى المرأة دوماً على أنها كائن يختلف عن الرجل في كل شىء.
أتصور أن الرجل يخون .. يغدر ..ينسى الود ..
لكن المرأة لا. هذه كانت قناعاتي التي ارتقت عندي إلى حد اليقين .
الكن هناك دائماً فارقاً بين معتقد يعيش داخلك وواقع يضربك  كان معتقدي أن المرأة  لا تخون ولكن الواقع ضربني بشدة فظللت أتأرجح بين يقيني وواقعي حتى أسقط واقعي يقيني.

هل تعلم ما هى الخيانة الناعمة ..!
أقول لك:
إنها خيانة الكلمة ..خيانة البسمة ..خياتة الهمسة واللمسة.
الخيانة مثل نقاط ماء تتساقط من صنبور خرب يزعججك صوتها اللئيم وتتمنى إما أن تكف عن هذه الدبيب المتتابع وإما أن تنهمر كطوفان يحطم كل شىء.
هذه هى الخيانة الناعمة.
تقتلك شيئاً فشيئاً.

ولقد رأيتها بعينى وكان هذا كافياً لأن يقتلني.
لقد جرحتني المرأة جرحاً غائراً لا شفاء منه.
جرحتني بكلمة قيلت لغيرى وكنت أحسبها أنها لا تقال إلا لي . وها أنا أتلاشى وكأنني لم أكن شيئاً ، وأقصى ما يؤلمني هو أن اليقين يتلاشى معى.
عشنا معاً ونتلاشى معاً .

أغلقت أوراق القضية وحفظت لعدم الجريمة .
حاولت بكل ما أمتلك من قوة أن أأخد بيد هذا العائد من الموت كى أبقيه على قيد الحياة.
مرت السنون على الواقعة وما زلت أحتفظ ببضع ورقات تركت بداخلي أثراً لا يخفت مع مرور الزمن كالجرح الغائر، وكلما تذكرت عبارة "الخيانة الناعمة" وهذا التشبيه التي وصفته الأوراق قلت في نفسي:
ما ذا يَبقى للإنسان عندما يُجرح فيمن أَحبْ ..!

تم نسخ الرابط