بيان الدول العربية والإسلامية ضدّ «الضمّ المقنّع» للضفة الغربية وما خلفه من تحوّلات
بين «السيادة الإسرائيلية» والمقاومة الدولية المشتركة
في موقف جماعي يحمل بعدًا جيوسياسيًا قانونيًا وإنسانيًا، أصدرت مجموعة من الدول العربية والإسلامية — من بينها جمهورية مصر العربية، المملكة العربية السعودية، جمهورية تركيا، ومنظمة التعاون الإسلامي — بيانًا شديد اللهجة الثلاثاء 23 أكتوبر 2025 أدانت فيه إقرار الكنيست الإسرائيلي لمشروعَي قانون يهدفان إلى فرض ما يُسمّى بـ«السيادة الإسرائيلية» على أجزاء من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية والمستوطنات، معتبرة أن ذلك يمثّل «ضمًّا مقنّعًا» وخلافًا صارخًا للقانون الدولي.
هذا التقرير يستعرض الأبعاد القانونية والسياسية للبيان، ويوضح ما يُسمّى بـ«الضمّ المقنّع» للضفة الغربية، ويحلّل ما يعنيه هذا التطور للمنطقة وللمعادلات القائمة
1. ما ورد في البيان: مضامينه والجهات الموقّعة
أُصدِر البيان عن: مصر، الأردن، إندونيسيا، باكستان، تركيا، جيبوتي، السعودية، عُمان، غامبيا، فلسطين، قطر، الكويت، ليبيا، ماليزيا، نيجيريا، إضافة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
جاء فيه إدانة «بأشدّ العبارات» لمشروعي القانونين اللذين أقرتهما الكنيست — ليطبّقا ما يُعرَف بـ«السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية والمستوطنات الإسرائيلية «غير القانونية». البيان أكّد أن هذه الأعمال تشكّل انتهاكًا للقانون الدولي، ولا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
كذلك، رحّب البيان بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 22 أكتوبر 2025، والذي أكّد مسؤولية إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي تجاه السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وعدم جواز استخدام التجويع أو التهجير القسري.
البيان دعا المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية» لإلزام إسرائيل بوقف إجراءات الضمّ والتوسع، وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
2. ما المقصود بـ«الضمّ المقنّع» للضفة الغربية؟
أ) قراءة المصطلح
«الضمّ المقنّع» هو مصطلح يُطلق على الإجراءات التي تتخذها إسرائيل لتطبيق قوانينها أو سيادتها فعليًّا على أجزاء من الضفة الغربية والمستوطنات، دون إعلان رسمي أو «ضمّ معلَن» بالطريقة التي حصلت سنة 1981 على الجولان السوري مثلاً، لكن بقواعد تنفيذية وإدارية تؤدّي إلى تغيير الوضع القانوني والديموغرافي للأرض المحتلة.
ب) أمثلة حالية
في 22 أكتوبر 2025، صوّت الكنيست على مشروع قانون يطبّق «سيادة إسرائيل» على أجزاء من الضفة الغربية، في حركة تُعدّ مقدّمة لضمّ فعليّ.
في مارس 2025، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة لـ13 مستوطنة في الضفة الغربية بأن تُعطى «استقلالية إدارية» كخطوة نحو الاعتراف بضمّها ضمن إسرائيل.
الإجراءات تشمل بناء وحدات سكنية للمستوطنين، تطبيق قوانين إسرائيلية محليّة، نقل مستوطنين جدد، وتوسيع المخططات الاستيطانية — وتُعدّ تغييرات بنيوية في الأرض المحتلة.
ج) لماذا «مقنّع»؟
لأنه ليس إعلانًا فورياً للضمّ كدولةٍ لاحقة، بل سلسلة من تغييرات واقعية قانونية وإدارية تحوّل الأرض المحتلة إلى قسم مُدمج فعليًّا ضمن إسرائيل، ما يصعّب عودة الوضع إلى ما كان قبلها.
د) لماذا يعتبرها القانون الدولي مخالفة؟
وفق رأي محكمة العدل الدولية في يوليو 2024: «الوجود الإسرائيلي المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير مشروع»، و«على إسرائيل أن تنهي وجودها غير المشروع أسرع ما يمكن».
أيضا، القرار 2334 لمجلس الأمن يُدين تغيير التركيب الديموغرافي وبناء المستوطنات.
هـ) ماذا يعني عمليًا؟
تراجع الأفق المُفاوض الفلسطيني، إذ يصبح الدعوة لإقامة دولة مستقلة على الضفة أقل وضوحاً إن التحقّت سيادة إسرائيلية بتلك الأراضي.
مزيد من الضغوط على المجتمع الدولي للاعتراف بأن العملية الاستيطانية لم تعد تصحيحًا، بل تغييرًا جذرياً للوضع القانوني.
إمكانية أن يُستخدم القانون الإسرائيلي داخل الضفة (قوانين محلية أو تنفيذية) على الأراضي المحتلة، ما يؤدي إلى خلط قانوني ومعيشي بين المواطن الفلسطيني والمستوطن الإسرائيلي.
3. الأبعاد القانونية والسياسية للبيان
أ) البُعد القانوني
تأكيد مشترك بأن سيادة إسرائيل على الضفة «لا وجود لها» بموجب القانون الدولي — ويُضفي البيان صبغة التزام جماعي دولي.
ربط المسألة برأي محكمة العدل الدولية، ما يعزّز الضغوط القانونية على إسرائيل ويعطي الدول الموقّعة قاعدة للامتناع عن الاعتراف بأي سيادة إسرائيلية.
دعوة لإلزام إسرائيل بوقف الممارسات التخريبية – منع التهجير القسري، ضمان وصول المساعدات، حماية السكان الفلسطينيين.
ب) البُعد السياسي والدبلوماسي
يُشكّل بيانًا موحّدًا للعديد من الدول العربية والإسلامية يُظهر أن القضية الفلسطينية لا تزال محورًا للتضامن الجماعي، وأن أي تغيّر في الأرض المحتلة يُعدّ خطًّا أحمرَ.
يُرسل رسالة لإسرائيل بأن خطوة الضمّ أو فرض السيادة ليست مسألة داخلية فحسب، بل تواجه مقاومة قانونية ودولية واسعة.
يعكس كذلك تنافسًا إقليميًا ودوليًا: الدول الموقّعة تريد أن تبقى في موقع المبادرة وليس الملاحقة، وتعيد تعريف التحالفات حول القضية الفلسطينية.
ج) البُعد الداخلي الفلسطيني
يُعزز من موقف القيادة الفلسطينية بأنها ليست معزولة وأن لديها تحالفات قوية — ما قد يعطيها قدرة أكبر في أي مفاوضات مستقبلية.
لكنه أيضًا يشير إلى أن زمن الصراع التقليدي قد يتغيّر إلى صراع قانوني ومؤسسي أكثر من مجرد عسكري، ما يتطلب استثمارًا في المؤسسات الحقوقية والدبلوماسية.
4. التأثيرات المحتملة على الأرض والمنطقة
في الضفة الغربية: المستوطنات قد تنشط في تنفيذ بنى تحتية إسرائيلية قانونيًا، مما يدمج تلك المناطق في هياكل إسرائيل القانونية والإدارية — ما يُصعب صيغة «الدولة الفلسطينية على خطوط 1967» مستقبلاً.
على مفاوضات السلام: أي قرار إسرائيلى بمضيّ مشروع القانون قد يجعل حل الدولتين عمليًا معنياً بدولة فلسطينية مجزّأة أقله من خطوط 1967.
في الإقليم: الدول العربية والإسلامية قد ترفع سقف المطالب الدولية، وتطلب تطبيق القرارات الدولية بجدية — ما قد يؤدّي إلى تغيّر في ديناميكيات العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
على القانون الدولي: نجاح أو فشل تطبيق رأي محكمة العدل الدولية وإلزام إسرائيل قد يشكّل سابقة لكيفية تعامل العالم مع الاحتلال والضمّ وتغيير الواقع بالقانون.
5. التحدّيات والعقبات الواقعية
إسرائيل قد تُمسك بورقة الضمّ الاستراتيجي ما دامت القيادة السياسية لديها إرادة؛ تغييرات قانونية فقط قد لا تكفي لردعها ما لم يُقرّ المجتمع الدولي مساءلة عملية.
دول كثيرة متذرّعة بسياسات «الحماية الأمنية» لإسرائيل، ما يعقّد فرض تنفيذ القانون الدولي أو عقوبات واقعية.
الفلسطينيون يعانون من انقسام داخلي (حكومة/حماس) ما يضعف قدرتهم على الاستفادة من الدعم الدولي كمفاوض موحّد.
التمويل والتنفيذ: حتى العلامات القانونية مثل رأي المحكمة تحتاج تحويلًا إلى قرارات تنفيذية — وهذا ليس مضمونًا.
6. ماذا الآن؟ خطوات مراقبة ومؤشرات
مراقبة مشروعي القانون الإسرائيلي: هل سيتم التصويت النهائي؟ كم عدد الأصوات؟ هل يعترض الرئيس الإسرائيلي؟
رصد البناء الجديد والتوسعات الاستيطانية بعد التصويت: كم عدد وحدات سكن المستوطنين؟ هل يُطَبّق القانون الإسرائيلي في الضفة؟
مراقبة مواقف الدول الأخرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا): هل ستدعم أو تعترض عمليًا أو دبلوماسيًا؟
تأثير ذلك على مفاوضات غزة/الضفة والعلاقات الإقليمية: هل يزيد هذا التصعيد من عزلة إسرائيل أو يعزّز استراتيجيات التطبيع؟
تحرّي تنفيذ رأي محكمة العدل الدولية: وصول المساعدات، تهجير قسري، تطبيق القوانين الدولية — هل إسرائيل تنفّذ؟
خاتمة
البيان المشترك الصادر عن الدول العربية والإسلامية ليس فقط رد فعل؛ إنه إعلان إداري، قانوني، ودبلوماسي بأن أي محاولة إسرائيلية لفرض سيادة على الضفة الغربية تُعدّ «خطًّا أحمرَ» في المنظومة القانونية الدولية والعربية.
«الضمّ المقنّع» الذي يُمارَس عبر تغييرات قانونية وإدارية يُقوّض قواعد الحل السياسي في المنطقة ويحوّل التسوية المحتملة إلى مرقعة قوانين وكيانات متداخلة.
المعركة الآن ليست في الساحات فقط، بل في القاعات القانونية، في التصويت، في مدى قدرة الدول على تحويل القوانين والآراء القضائية إلى واقعٍ يحمي الحقوق ويوقف التغييرات الأحادية.
وفي قلب هذا المسار، يقف الشعب الفلسطيني بانتظار أن يُصَدّق على أرضه ما يُعلَن على الورق.