ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ستظلّ لغةُ القرآن ؛لُغتنا العربية ،شاخصةً في ضمير الكون ،عفيّةً أبيّةً ،تأبى الانزواءَ أو التراجعَ عن عبقريتها ، وقُدْسيتها مهما تكالبت عليها المحن، ومهما تعالت أصوات الخفافيش من هالوكيّ العامية هنا أوهناك . فهي حاضرةٌ بأنوارها حضور الزّمن ،ولا عجب في ذلك ،وهي لُغة أشرف كتابٍ ،ولِسانُ أبلغِ بيانٍ لمَنْ قال : " وأُوتِيتُ جَوَامِعَ  الكلم " ،وغير  ذلك كثير من تفرّدٍ وتميّزٍ جعلها محل إعجاب الأمم  ..

    نستشرف هذا الإعجاب العالمي وذاك الحب اليقيني بلغة الضاد  حينما تقترب مطالع الشهور الميلادية من شهر ديسمبر من كل عام ،إذْ تحتفي الدنيا بأسرها بعالميتها ،بداية من الأمم المتحدة ،إلى أقصى متذوق لحرفها البياني القدسي على امتداد المعمورة ،ذلك أنّ اللغة العربية الفصحى بالنسبة للأمة الإسلامية ،تعد من أهم غايات وجودها ،بل وتعد أهم من أية لغة أخرى بالنسبة للأمة التي تتكلم بها ،ويرجع ذلك لتفرد اللغة العربية بعدد من السمات والملامح، يجعل منها لغة فائقة جديرة بالمكانة العليا بين لغات العالم ،ومن أبرز هذه السمات ،وفى مقدمتها :أنها لغة القرآن الكريم ..

 فلغة الضاد هي اللغة التي نزل بها جبريل عليه السلام – على سيد الخلق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) على مدى ثلاثة وعشرين عاماً ،لم يضع منها حرف واحد ،ولم ينل التحريف منها كلمة واحدة ،لأن الله سبحانه وتعالى  قد تعهد بحفظ كتابه المعجز ،فقال تعالى :{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر ( 9). وهذه الحماية الإلهية تمتد إلى اللغة العربية الفصحى ،لأنها وعاء القرآن الكريم ،ولا حفظ " للمحتوى " إلا إذا حفظ الوعاء الذي يحويه ، وهذا سرّ أسرار حبّ كثير من أهل الأرض للغة القرآن الكريم ، حتى في الأرض غير العربية سيما في إفريقيا ..  

  رأينا ذاك الحبّ والتبجيل للغة الوحيين الشريفين الأسبوع الماضي على أرض شنقيط ،أرض المليون شاعر؛ الجمهورية الإسلامية الموريتانية ؛هذا البلد الطيب أهله ؛موريتانيا حافظة اللسان العربي في إفريقيا ،وهي تحتفي بعرسٍ عالمي  مائز،

ضمّ أربعين دولة إفريقية وعربية ، وسبعين بحثًا قدمها أساتذة جامعيون وباحثون، للمؤتمر العلمي الدولي الثاني للمجلس الأعلى للغة العربية في إفريقيا ( وسائل نشر اللغة العربية في إفريقيا واستراتيجيات تطويرها ) ،توافدوا من كل حدب وصوب على مائدة العربية وآدابها ،ليغردوا في سماء شنقيط ؛نواكشوط العاصمة الموريتانية آيات الحب والوفاء للغة القرآن الكريم ؛رأس الحضارة في هذا الوجود الإنساني رضي من رضي ،وأبى من أبى ،ولا عجب وهي اللغة التي قد بسطت شاعريتها الساحرة ،وسلطانها الرّوحي على أصقاع من الأرض مترامية ،ومتباينة ،وانداحت بجلالها ،وبيانها ،وألفاظها ،ومعانيها ،وحرفها المقدّس ،وجرسها النديّ ؛شرقًا وغربًا بحضارتها الزاهية في جنبات هذا الكون في أسمى آيات التوهج الحضاري ..

 نعم هذا التوهج الحضاري الذي عايشته الأسبوع الماضي  في مهمّة قومية مع أعلام موريتانيا ببحثي " جهود الأزهر في نشر اللغة العربية في إفريقيا " برعاية  كريمة من فضيلة الإمام الأكبر شيخنا الجليل الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف تلبية لدعوة المجلس الأعلى للغة العربية في إفريقيا ليشارك الأزهر إفريقيا الحبيبة رسميًا بتمثيل مستشارة فضيلة الإمام الأكبر شيخنا الجليل شيخ الأزهر ؛الأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي ،وعلميًا بتمثيل الأستاذ الدكتور علي عبدالوهاب مطاوع الأستاذ بجامعة الأزهر ورئيس لجنة الفنون الأدبية بالمجلس التنفيذي للمجلس الأعلى للغة العربية في إفريقيا ، وشاركنا موريتانيا حامية اللغة العربية ، موريتانيا التي طوقّت أعناق كل محبّي اللغة العربية الذين  قصدوها من كل حدب وصوب من أربعين دولة إفريقية وعربية ؛ طوّقت أعناق الجميع بحفاوة الاستقبال ، والفضل والكرم الحاتمي ،والتحنان وحسن الصحبة ، والرعاية الكاملة أثناء الإقامة ، والتنقل هنا وهناك بين أروقة البيان الموريتاني نهارًا وليلًا على مدار الساعة حتى في رحلة عودتنا أمس الجمعة الماضية للقاهرة ، والتي فاجأنا فيها مضيفنا الكريم ؛ العلم الموريتاني ؛بحر العلوم وفخر الإنسانية معالي الشيخ الإمام الخليل النحوي عرّاب موريتانيا ،فإذا به يصحبنا حتى الجزائر ويودعنا من هناك في آذان الفجر ، علمًا بأن بين موريتانيا والجزائر أربع ساعات بالطائرة ،ومع ذلك آثر - بكرمه وروحه الطيبة وسماحته - صحبتنا حتى يطمئن علينا ، فجزاه الله الخير كل الخير عن العربية وأهلها ..

   فشكرًا لله على أن رزقنا محبّة لغة القرآن وخدمتها ،وأكرمنا بهذا الفضل وجمعنا على هذه الأرض الطيبة  ؛الحبيبة موريتانيا التي وهبها الله لسانًا عذبًا سائغًا بيانه لمتذوقي تجارب العربية الإسلامية على ظهر البسيطة ،فلها من سويداء قلبي الشكر الأوفى حكومةً وشعبًا وأرضًا ،وجميع أعضاء الحرف العربي المُقدّس ،ورجالات اتحاد أدباء وكتاب ،وأديبات وكاتبات موريتانيا الأعلام الذين سعدنا بكرم وحفاوة صحبتهم طوال أيام المؤتمر ،وحفظ لها علَمُها البروفيسور خليل النحوي عرّاب العربية ومفكرها الجهبذ الذي أشاد بالأزهر في جلسة افتتاح المؤتمر وقدّم خالص شُكْرِه ،وشُكْرأبناء إفريقيا لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور
أحمد الطيب في توصيات المؤتمر عقب آخر جلساته التي شرفت برئاستها ،يتقدّمهم شاعر إفريقيا الكبير ،العرّاب التشادي العلامة الخلوق النقي التقيّ ابن تشاد التي يسري حبها وأهلها في عروقي منذ ربع قرن مودّة ومحبّةً - الدكتور حسب الله مهدي فضلة ؛رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في إفريقيا الذي حرص على وجود الأزهر في هذه التفاعلة الحضارية العالمية في حبّ العربية .

    شكرًا من الأعماق ؛ شكرًا من منارات الأزهر في مصر المحروسة لإفريقيا الحبيبة التي أخلصت للعربية لغة القرآن الكريم ،شكرًا لشركاء النجاح في هذا المحفل العُروبي الحضاري للغة الخلود :مجمع اللغة العربية في الشارقة ،وجهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة راعي اللغة العربية وحامي حماها على ظهر البسيطة ،والأخوة الأكارم من قيادات الندوة العالمية للشباب الإسلامي ،وكل أحبابي وزملائي من  موريتانيا ومصر والجزائر والمغرب ،وتونس ،وتشاد ،وجيبوتي ،والسنغال ،وجنوب إفريقيا ،وغينيا ،والكاميرون ،ومالي وغيرها كثير من شركاء النجاح الذين جاهدوا بالكلمة الطيبة،  والسعي المبارك لأن يكون لسان إفريقيا هو ( اللسان العربي المبين )، وأزعم أنّ الله قد كلّل جهودنا بالتوفيق ،فغرّد الأفارقة من أربعين دولةً وأبدعوا في سماء نواكشوط أرض الشناقطة الأعلام أرض المليون شاعر ؛تنظيرًا وتأصيلًا: فكرًا وأدبًا ،عربياً أصيلًا ،إيمانًا ووفاءً لعقيدتهم الإسلامية السمحة ،ولغتها السامية لغة الوحيين الشريفين ،مؤكّدين أنّ موريتانيا هي لسان إفريقيا العربي .

تم نسخ الرابط