الفارق بين الاستيقاف والقبض.. الجنايات: أخذ عينة بول من السائقين إجراء باطل
أكدت محكمة جنايات دمنهور أن استيقاف مأمور الضبط القضائي لسيارة الأشخاص –المتهم– لفحص رخصتي القيادة والتسيير، هو حق مكفول له قانوناً باعتباره من مقتضيات وظيفته.
بينما استحصاله على عينة من بول المتهم، استناداً إلى اشتباهٍ مبدئيٍّ في عدم اتزانه واحمرار عينيه، يُعد قبضاً بمعناه القانوني، الذي لا يحق له إتيانه دون مبرر، سواء أكان بناءً على إذنٍ من سلطة التحقيق بالقبض والتفتيش، أو لتوافر حالة تلبس صحيحة بالجريمة.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها، برئاسة المستشار سامح عبد الله، في القضية رقم ١٢٨٤٧ لسنة ٢٠٢٥ جنايات أبو حمص، والمقيدة برقم ١٥٧١ لسنة ٢٠٢٥ كلي وسط دمنهور، إنه بعد تلاوة أمر الإحالة، وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية، والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونًا، فإن النيابة العامة اتهمت عبد العزيز علي بأنه في يوم ١٢ / ٧ / ٢٠٢٥ بدائرة مركز شرطة أبو حمص –محافظة البحيرة– أحرز بقصد التعاطي جوهر الحشيش المخدر في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، وقاد مركبة آلية (سيارة) تحت تأثير المخدر، على النحو المبين بالتحقيقات.
وطلبت النيابة عقابه بالمواد ١، ٢، ٣٧/١، ٤٢/١ من القانون رقم ١٨٢ لسنة ١٩٦١ المعدل، والبند (٥٤) من القسم الثاني من الجدول رقم (١) الملحق بالقانون ذاته، والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم ٦٠٠ لسنة ٢٠٢٣، وكذلك بالمواد ١، ٣، ٤، ٦٦، ٧٦/١ من القانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٧٣ المعدل.
وأسندت النيابة اتهامها إلى ما شهد به شاهد الإثبات وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي.
فقد شهد النقيب هشام الشهاوي بأنه حال قيامه بحملة مرورية، يرافقه شاهد الإثبات الثاني أحمد عبد الحفيظ (فني معمل بإدارة أبو حمص الصحية)، استوقف المتهم حال قيادته السيارة التي تحمل اللوحة المعدنية رقم س ق ر ٤٦٤٥ لفحص رخصتي القيادة والتسيير الخاصتين به.
وأثناء مناقشته اشتبه مبدئياً في أن المتهم تحت تأثير مخدر، لعدم اتزانه في الحديث واحمرار عينيه، مما حدا به إلى الحصول على عينة من بوله عن طريق شاهد الإثبات الثاني، الذي قام بتحليلها بواسطة الكاشف الاستدلالي السريع، فأظهر فحص العينة نتيجة إيجابية لتعاطي مخدر الحشيش.
وشهد أحمد عبد الحفيظ (فني بإدارة أبو حمص الصحية) أنه كان بمرافقة شاهد الإثبات الأول، وردد مضمون شهادته السابقة.
وحيث إنه باستجواب المتهم في تحقيقات النيابة العامة، أنكر ما نُسب إليه من اتهام.
وحيث إنه بجلسة المحاكمة، حضر المتهم بوكيلٍ عنه (محامٍ)، طلب براءته مما نُسب إليه من اتهام، تأسيساً على بطلان استيقاف المتهم لانتفاء مبرراته، وبطلان ما ترتب عليه من قبض.
الجنايات: الاشتباه لا يعطي الحق في المساس بحرية الأفراد

وحيث إنه عن الدفع ببطلان الاستيقاف، فلما كان من المقرر أن الاستيقاف هو إجراء يقوم به رجل السلطة العامة في سبيل التحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها، ويسوغه اشتباه تبرره الظروف، فهو أمر مباح لرجل السلطة العامة إذا ما وضع الشخص نفسه طواعيةً واختياراً في موضع الشك والريبة والظن، وكان هذا الوضع ينبئ عن ضرورة تستلزم تدخل المستوقف للتحري والكشف عن حقيقته.
وسند الاستيقاف إذن هو الواجب المفروض على مأموري الضبط القضائي ومرؤوسيهم (رجال السلطة العامة) بالبحث عن الجريمة ومرتكبيها، وهو أمر يعطيهم الحق في استيقاف كل شخص يضع نفسه طواعية واختياراً في موضع الظن والشك، لكشف ستر هذا الغموض، وفي سبيل ذلك له أن يسأل الشخص عن هويته، وحرفته، ومحل إقامته، ووجهته، وتراخيص سيارته وقيادته إن كان يقود سيارة، وبالعموم كل ما يفيد في كشف سر حالة الغموض التي وضع الشخص نفسه فيها طواعيةً واختياراً.
والحق في الاستيقاف يختلف جذرياً عن الحق في القبض، الذي لا يجوز إيقاعه مطلقاً إلا بأمرٍ من سلطة التحقيق، أو بواسطة مأمور الضبط القضائي في الجرائم المتلبس بها قانوناً، وعلى شخص توافرت قبله دلائل كافية على اتهامه.
ولا يجوز حصوله مطلقاً من رجال السلطة العامة، لأن جوهر القبض هو حرمان الشخص حرماناً مقصوداً من حريته في الحركة والتجول جبراً عنه، بينما الاستيقاف لا يعدو أن يكون مجرد إيقاف إنسان وضع نفسه موضع الريبة في سبيل كشف غموض هذه الريبة كما سلف البيان.

وحيث إنه لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن مأمور الضبط القضائي استوقف المتهم حال قيادته سيارته لسؤاله عن رخصة تسيير السيارة ورخصة قيادته الشخصية –وهو أمر يحق له قانوناً– وبمناقشته تحقق لديه اشتباه مبدئي بوقوع المتهم تحت تأثير مادة مخدرة لعدم اتزانه واحمرار عينيه، ثم قام استناداً إلى هذا الاشتباه بأخذ عينة من بوله وتحليلها بالوسائل الفنية، فإن ما آتاه مأمور الضبط القضائي يعد قبضاً بالمعنى القانوني الذي أشارت إليه المحكمة سلفاً، وهو إجراء لا تبرره أبداً حالة اشتباه مبدئي كما سطّر مأمور الضبط القضائي ذلك حرفياً بمحضر ضبطه.
ولا يقدح في ذلك ما قرره من أن المتهم قدم العينة طوعاً واختياراً، إذ إن ذلك لا يستقيم مع طبائع الأمور، كما أنه يجافي أصلاً من أصول الإثبات، وهو أن المتهم لا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه.
وهو الأمر الذي ترى معه المحكمة أن هذا الاستحصال إنما تم على غير إرادة المتهم، حتى ولو استتر هذا تحت وصفي الطواعية والاختيار اللذين أسبغهما مأمور الضبط القضائي على الإجراء بمحضر الضبط.
وحيث إنه لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الفصل في قيام مبرر الاستيقاف أو تخلفه من الأمور التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع بغير معقب، مراقبةً منه لسلامة الإجراء الذي باشره رجل السلطة العامة بناءً عليه.
ولما كانت المحكمة قد خلصت إلى أن ما آتاه مأمور الضبط القضائي كان في حقيقته قبضاً لا استيقافاً، وما تبعه من استحصاله على عينة من بول المتهم استناداً إلى اشتباه مبدئي، فقد وقع هذا الإجراء باطلاً، وما نتج عنه من إجراء لصيق به غير منبتّ الصلة عنه.
الأمر الذي تقضي معه المحكمة، وعملاً بالمادة ٣٠٤/١ من قانون الإجراءات الجنائية، ببراءة المتهم مما نُسب إليه من اتهام، ومصادرة الكواشف الاستدلالية محل الضبط.