في صلح الحديبية، لم يعجب سهيل بن عمرو أن يُكتب في الوثيقة:
"هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله مع قريش"
فقال: "لو نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت! ولكن اكتب: هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله مع قريش!"
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "امحها يا علي، واكتب محمد بن عبد الله!"
فاستشاط الإمام علي غصبًا وحمية لمقام رسول الله، قائلاً: "والله لا أمحوها أبدًا يا رسول الله!"
فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من علي أن يدلّه عليها، فمحاها بنفسه!
في هذا الموقف العظيم لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، يضرب لنا المثل الأروع والمثال الأشجع في الاهتمام بالمضمون والقفز على الشكليات، والعناية بالجوهر لا بالمظهر. لا بأس من التراجع بعض الخطوات في سبيل تحقيق نصر مؤزر.
شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكد بجلاء عظمة القائد وروعة المفاوض الذي لا يقف عند الألقاب؛ فهو الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم والمؤيد من السماء، ولا يضيره أبداً انتقاص بعض الجاهلين لمقامه العظيم وشأنه الكريم. فالتجاهل أنجح أسلوب في التعامل مع الجاهل، والتغافل أبرع أسلوب في معاملة الغافل، لذلك كانت مداراة السفية سنة ثابتة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حتى لا يتفاقم سفهه وغفلته.
إذ كيف لسيد الأنبياء أن ينزل من مقامه الأسمى وقيمته العليا ليناقش قوماً قد استبد الجهل بعقولهم لدرجة جعلتهم يعبدون حجارة ظنًا منهم أنها تنفع وتضر؟ ولقد علم الرسول الأعظم أن الانزلاق لتلك المهاوي من الحوارات لن يضر أصحاب العقل الراشد والفطرة النقية، فحري به أن ينأى بنفسه وأن يسمو بمقامه.
فلنجعلها أسلوب حياتنا في التعامل مع التوافه في الأشخاص والمواقف: "امحها يا علي".