لم تكن علانية الجلسات يومًا مجرد إجراء شكلي أو بروتوكول يمكن تجاوزه، بل هي حق أصيل مكفول للكافة، وجزء من صميم مفهوم العدالة ذاتها.
فالقضاء الذي تُغلق أبوابه أمام الجمهور، أو تُحجب جلساته عن الصحافة، يفقد أحد أهم أعمدته: الثقة العامة.
ولهذا عُدّ حضور الجمهور ووجود الصحافة داخل القاعات ليس ترفًا، بل ركنًا من أركان الشفافية.
ورغم أن البعض ينظر إلى التجربة الأمريكية باعتبارها “نموذجًا”، من خلال الفيديوهات التي تم إعدادها من قبل الأجهزة الأمريكية وتصدر القاضي فرانشيسكو كابريو المعروف باسم فرانك كابريو، ووقف المذنبين من أبناء الوطن العربي أمامه، حتى يظهر إنسانية القضاء الغربي في التعامل مع العرب، وهي مقارنة داخلية لها تأثيرها البالغ في النفوس.
إلا أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: القضاء الأمريكي ليس بقوة ولا بعظمة القضاء المصري، الذي يُضرَب به المثل في عمقه التاريخي، وتقاليده العريقة، وميراثه الممتد عبر أجيال من القضاة الذين صنعوا مدرسة فريدة في النزاهة والهيبة والفصل بين الخصومات.
وأن القضاء المصري لم يتجمّل يومًا بالإعلام، ولم يصنع صورته عبر كاميرات هوليوود، بل صنعها عبر حكمٍ عادل، ومبادئ راسخة، وميراث مهني لا ينافسه أي نموذج غربي.
ومَن يتابع السينما الأمريكية يدرك كيف تُصنع الصورة الذهنية في الغرب:
كيف يُقدَّم الجندي الأمريكي كأنه لا يُقهَر، وكيف تُختار الألوان والمؤثرات لخلق حالة رعب معنوي في قلوب خصومه قبل المعركة.
وكيف تُحوَّل قاعة محكمة عادية لقاضٍ ينظر مخالفات المرور، إلى “استديو هوليوودي” كامل، بمخرج وإضاءة وزوايا تصوير، بهدف واحد: إبهار المشاهد العربي وإقناعه بأن القضاء هناك أكثر تواضعًا وإنسانية.
إنها صناعة نفسية هدفها المقارنة، وصنع انطباعات، والتأثير في الوعي أكثر من تقديم حقيقة.
في المقابل، يواجه القضاء المصري – أحد أعمدة الدولة – بين الحين والآخر حملات استهداف وضغوطًا إعلامية خارجية تحاول التشكيك في رسالته، ولذلك نجد الخطورة الكامنة في عدم وجود جهاز إعلامي قوي بخطط استراتيجية يظهر العدالة بالصورة التي نبحث عنها دوما، ولا أعرف السبب حتى الآن ؟!، ولماذا لا يخطط لهذا الملف بالتعاون بين وزارة العدل و مجلس رؤساء الجهات والهيئات القضائية، لتسهيل تلك الرسالة من خلال توفير الإمكانيات اللوجستية، والإعداد الجيد لنقل وقائع الجلسات.
ومع كل ذلك، يبقى الطريق واضحًا:
نحن بحاجة إلى تنظيم وليس منع.. إلى احتراف وليس إقصاء.
كم نحتاج بالفعل إلى استخراج تصاريح رسمية للمحررين القضائيين بعد اجتيازهم دورات تأهيل مهنية، ليكونوا أكثر حرفية وقدرة على نقل وقائع الجلسات بدقة واحترام ووعي قانوني.
فالمحرر القضائي ليس ناقلًا للأحداث فقط، بل هو وسيط الرسالة بين المحكمة والرأي العام، ولذلك فإن هذه التصاريح ستمنع الدخلاء وغير المتخصصين من رفع هواتفهم المحمولة وانتحال صفة صحفي داخل القاعة.
والأهم من ذلك، أن ندرك أن الرأي العام قوة، وأن التواصل معه بشفافية عبر الصحافة يعزز الثقة، ويُظهر الحقيقة، ويحاصر الشائعات، ويُسهم في حماية سمعة القضاء نفسه.
فالعلانية ليست تهديدًا.. إنما هي ضمان، وإذا كان يمنع الأهالي من الحضور في الآونة لأسباب متعددة، فبعضهم يرى أن هذا لحفظ الأمن والسيطرة على جلسات المحاكمات، وغيرها من الأسباب، فإن الخطورة أن يطال هذا المنع رجال الصحافة والإعلام في بعض المحاكم، وذلك بالمخالفة للدستور والقانون.
ولا بد أن يعي الجميع أن العدالة حين تُحجب، تتضرر الدولة، ويتضرر المجتمع، ويُترك المجال للظنون.
أما حين تُصان علانيتها، وتُحترم الصحافة، بفنونها الحديثة، فالصورة خير من ألف كلمة، ونقل الصورة بحرفية يؤثر أكثر في المتلقي، ويُفتح الباب أمام تداول المعلومات الصحيحة، وتزداد هيبة القضاء، وثقة الناس تتجدد.