ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الشابو.. يشعل الخلاف بين دوائر النقض.. ما بين جدول الهيروين والحشيش

محكمة النقض
محكمة النقض

احتدمت النقاشات داخل أروقة محكمة النقض مؤخرًا حول مدى مشروعية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، القاضي بإدراج مادة الميثامفيتامين – المعروفة شعبيًا بأسماء الشابو أو الكريستال ميث أو الآيس – ضمن الجدول رقم (1) من جداول المواد المخدرة، وهو الجدول الأعلى خطورة والأشد عقوبة وفقًا لقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960.

وتُعد مادة الشابو من أخطر أنواع المخدرات المنشطة، إذ تؤثر تأثيرًا مباشرًا على الجهاز العصبي المركزي، وتؤدي – مع الاستعمال المتكرر – إلى تلف خلايا المخ المسؤولة عن التفكير والانتباه والإدراك.

محكمة النقض.. ساحة جدل دستوري غير مسبوق

الخلاف القانوني تفجّر عندما أصدرت إحدى دوائر محكمة النقض، برئاسة المستشار محمد عبد العال، في جلسة 26 أكتوبر 2024، قرارًا بـإيقاف نظر الطعن رقم 8535 لسنة 94 قضائية، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية.

واستندت المحكمة في قرارها إلى أن إدراج مادة الميثامفيتامين في الجدول الأول يمثل تجريمًا جديدًا وتشديدًا للعقوبة، وهو ما لا يجوز أن يتم إلا بقانون يصدر عن البرلمان أو بتفويض تشريعي صريح، التزامًا بمبدأ الشرعية الجنائية والفصل بين السلطات.

ورأت المحكمة أن قرار رئيس هيئة الدواء قد صدر دون سند دستوري أو تفويض تشريعي محدد، ما يثير شبهة عدم المشروعية ويدفع إلى ضرورة عرضه على المحكمة الدستورية العليا للحسم.

دائرة أخرى تسلك طريقًا مغايرًا: القرار باطل لانتحال الاختصاص

وفي المقابل، تبنّت دائرة أخرى بمحكمة النقض – برئاسة المستشار أحمد الخولي – اتجاهًا مغايرًا في جلسة 8 نوفمبر 2025، أثناء نظر الطعن رقم 7638 لسنة 95 قضائية، حيث رفضت الأخذ بقرار رئيس هيئة الدواء من الأساس، واعتبرته باطلًا ومشوبًا بعيب اغتصاب السلطة.

وأكدت المحكمة أن تعديل جداول المواد المخدرة هو اختصاص أصيل لوزير الصحة والسكان وفقًا لأحكام القانون رقم 182 لسنة 1960، وأن رئيس هيئة الدواء لا يملك قانونًا سلطة تعديل أو إدراج المواد المخدرة، باعتبار ذلك عملاً ذا طبيعة تشريعية لا يجوز أن يصدر إلا من السلطة التنفيذية المختصة أو بموجب قانون.

بين الجدولين.. فارق قانوني كبير في العقوبة

ويُعد جوهر الخلاف القانوني في مدى تغيير طبيعة التجريم والعقوبة المقررة لمتعاطي أو متاجر مادة الميثامفيتامين، إذ إن نقلها من الجدول الثاني – الذي تندرج تحته مواد مثل الحشيش بعقوبة لا تقل عن السجن المشدد ثلاث سنوات – إلى الجدول الأول الذي يضم الهيروين والكوكايين، يجعل الحد الأدنى للعقوبة السجن المشدد ست سنوات، وقد تصل العقوبة في بعض الحالات إلى الإعدام.

وهو ما اعتبرته بعض الدوائر القضائية تغولًا تشريعيًا من جانب هيئة الدواء المصرية، بينما رأى آخرون أن القرار يظل نافذًا ما لم يُقضَ بعدم دستوريته من المحكمة المختصة.

الشابو.. المادة التي فجّرت الصراع بين التشريع والتنفيذ

الشابو – أو الميثامفيتامين – يُعد من المواد التي تزايد انتشارها في بعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، وأُدرج في عدد من التشريعات الدولية باعتباره مخدرًا صناعيًا بالغ الخطورة.

غير أن الطريقة التي أُدرج بها في الجداول المصرية فجّرت جدلًا دستوريًا حول حدود التفويض التشريعي بين الحكومة والهيئات التابعة لها.

وبين اتجاه قضائي يرى أن القرار باطل دستوريًا، وآخر يعتبره نافذًا حتى إلغائه، تبقى الكلمة الفصل للمحكمة الدستورية العليا، التي يُنتظر أن تحسم قريبًا هذه الإشكالية التي تجمع بين القانون والدواء والدستور في آنٍ واحد.

التفاصيل الكاملة للاتجاهات السائدة داخل محكمة النقض

وظهرت داخل المحكمة ثلاثة اتجاهات قضائية في هذا الشأن، تجلت مع صدور أحكام متباينة، كان أولها ما قررته محكمة النقض الجنائية برئاسة القاضي محمد عبد العال في 26 أكتوبر 2024، من إيقاف نظر الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 8535 لسنة 94 قضائية تعليقًا، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023.

في المقابل، نظرت دائرة أخرى بمحكمة النقض، برئاسة القاضي أحمد الخولي، في 8 نوفمبر 2025، الطعن رقم 7638 لسنة 95 قضائية، وأصدرت حكمها بعدم الأخذ بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية، واعتبرت مادة الميثامفيتامين ضمن الجدول الثاني للمخدرات.

الرأي الأول

محكمة النقض برئاسة القاضي محمد عبد العال – نائب رئيس المحكمة – في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة، يوم الأحد 4 من جمادى الأولى سنة 1447 هـ، الموافق 26 أكتوبر 2025م.

أصدرت الحكم الآتي في الطعن رقم 8535 لسنة 94 قضائية:

لما كان ذلك، وكانت المادة (95) من الدستور قد نصت على أن:

“العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا تُوقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون.”

وكان من المقرر بنص المادة (32) من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل، أن:

“للوزير المختص بقرار يصدره أن يُعدّل في الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف أو بالإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها.”

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في تفسير المادة (95) من الدستور – وهي المقابلة للمادة (66) من دستور 1923 – على أنه يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدر لوائح لتحديد الجرائم وتقرير العقوبات، بشرط أن يتضمن القانون تفويضًا صريحًا بذلك.

وكانت القرارات التي يصدرها الوزير المختص في هذا الشأن لا تستند إلى نص المادة (170) من الدستور الخاصة باللوائح التنفيذية، وإنما إلى المادة (95) ذاتها.

ولما كان ذلك، وكان الثابت من مواد القانون رقم 151 لسنة 2019 بإصدار قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية، أنه نص على أن الهيئة تحل محل وزارة الصحة والسكان، ورئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، إلا أن هذا الحلول يقتصر – بموجب المادة الثانية من مواد الإصدار – على الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة، والمتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون.

وقد حدد القانون أهداف الهيئة واختصاصاتها التنظيمية والتنفيذية والرقابية، دون أن يمنح رئيسها تفويضًا في تعديل الجداول الملحقة بقانون المخدرات.

ولا يغير من ذلك ما نصت عليه المادة (15) من القانون ذاته من أن:

“تتولى هيئة الدواء المصرية دون غيرها، الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان والهيئة العامة والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم وتسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها.”

فهذا النص لا يُعد تفويضًا تشريعيًا لرئيس الهيئة في تعديل الجداول الملحقة بقانون المخدرات، لأن التفويض التشريعي في مسائل التجريم والعقاب يجب أن يكون واضحًا وصريحًا ومحددًا بحدود دقيقة.

كما أن المادة (1) من القانون قد عرّفت “المستحضرات الطبية” و“المواد الخام”، ولم تتضمن الجواهر المخدرة، وهو ما يؤكد أن الأخيرة تختلف في مدلولها ومجال تطبيقها عن المستحضرات الطبية.

وإذ إن إدراج “الميثامفيتامين” بالجدول الأول من شأنه تشديد العقوبة لتصل إلى الإعدام في حالة الإتجار، والمؤبد في حالة الإحراز المجرد، وهي عقوبات مغلظة لا يجوز تقريرها إلا بقانون أو بتفويض تشريعي صريح، فإن القرار رقم 600 لسنة 2023 قد صدر بالمخالفة لمبدأ الشرعية الجنائية ومبدأ الفصل بين السلطات.

ولذلك رأت المحكمة أن هذا القرار يثير شبهة عدم الدستورية، وقررت وقف نظر الطعن تعليقًا، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته، عملًا بنص المادتين (25/أولًا) و(29/أ) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولًا: بقبول طعني النيابة العامة والمحكوم عليه شكلًا.

ثانيًا: بوقف نظر الطعن تعليقًا، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023.

الرأي الثاني

محكمة النقض برئاسة المستشار أحمد الخولي – نائب رئيس المحكمة – وعضوية المستشارين محمد عبد الحليم، ومحمد فريد بعث الله، ووائل أنور، وأشرف خيري، وبحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض محمود عبد العال، وأمانة سر محمد مبروك.

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة يوم السبت 17 جمادى الأولى 1447 هـ، الموافق 8 نوفمبر 2025م.

أصدرت الحكم الآتي في الطعن رقم 7638 لسنة 95 قضائية:

لما كانت المادة (95) من الدستور تنص على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون”، وكان الأصل أن عبارة القانون إذا كانت واضحة فلا يجوز الانحراف عنها أو تأويلها، فإنه يتعين الالتزام بمقصود المشرع على نحو قاطع.

وحيث إن المادة الثانية من مواد إصدار القانون رقم 151 لسنة 2019 بإنشاء هيئة الدواء المصرية نصت على أن:

“تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان، ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة.”

فقد دل ذلك بوضوح على أن اختصاص الهيئة يقتصر على الرقابة على المستحضرات والمستلزمات الخاصة بقانون مزاولة مهنة الصيدلة دون غيره، ومن ثم فإن قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023 باستبدال الجداول الملحقة بقانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960 يُعد انتحالًا لاختصاص مقرر لوزير الصحة والسكان، ومن ثم لا يُعتد به ولا ينتج أثرًا قانونيًا.

وإذ أعمل الحكم المطعون فيه أثر هذا القرار واعتبر الميثامفيتامين من مواد الجدول الأول، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، مما يوجب تصحيحه لمصلحة الطاعن.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بمعاقبة الطاعن بالسجن لمدة سبع سنوات، بالإضافة إلى عقوبتي الغرامة والمصادرة المقضي بهما، ورفض الطعن فيما عدا ذلك.

الرأي الثالث

مهما يكن وجه الرأي في الحكم الصادر من إحدى الدوائر بالوقف التعليقي، فإن الثابت من قضاء المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض والإدارية العليا أن إبطال النصوص لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا.

وما دامت تلك المحكمة لم تفصل في المسألة محل البحث، فإنه يتعين على الدوائر الجنائية بمحكمة النقض الالتزام بإنفاذ قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، ما دام يحمل قرينة الصحة الدستورية إلى أن يتم تعديله أو القضاء ببطلانه.

ومن ثم، لا محل لوقف الدعاوى المماثلة تعليقًا انتظارًا لحكم المحكمة الدستورية العليا، إلا إذا اتجهت محكمة النقض إلى القضاء بالإعدام، استثناءً مراعاةً لقدسية الحق في الحياة.

كما أوضح الرأي أن اعتبار الحكم الصادر بالإدانة كأن لم يكن لا يثير صعوبة إذا كان الحكم غير بات، إذ يجوز الطعن فيه وإلغاؤه.

أما بالنسبة للأحكام الباتة، فإن صدور حكم بعدم دستورية القرار يجعلها كأن لم تكن بقوة القانون، تطبيقًا للمادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، والمذكرة الإيضاحية لها، لما للشرعية الدستورية من سموّ على اعتبارات حجية الأمر المقضي.

وتباشر المحكمة الدستورية العليا مراقبة تنفيذ هذا الأثر من خلال اختصاصها المنصوص عليه في المادتين (192) من الدستور و(50)  من قانونها رقم 48 لسنة 1979.

تم نسخ الرابط