ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

 **اتخذت القرار وبدأت حلمي مبكرا : كنت طالبا في الصف الثاني الثانوي- أدبي -عندما اكتشفت عشقي للصحافة وتقدمت لمسابقة لصحف الحائط أعلن عنها سعادة الناظر الجديد (وبالمناسبة هو أستاذ معروف بكتاب شهير لتعليم اللغة الإنجليزية) 
وحرصت على أن انتج صحيفة حائط غير تقليدية ، بالفطرة قلدت الصفحة الأولى لصحيفة الأخبار اليومية وأفردت ما ظننته أخبارا تهم الطلاب والمدرسين ..توجتها بمانشيت مازلت اتذكره حتى الآن (حضرة الناظر يركب الدرجة الثالثة! باستطاعتك أن تتساوى معه إذا كان معك 5 مليمات قيمة التذكرة !!) 
في الصباح التالي فوجئت بمحكمة منصوبة في طابور الصباح وأنا المتهم المقصود ،صعدوا بي إلى منصة الخطابة حيث نلت أكثر مما أتمنى من الكلمات الغاضبة وعلقة ساخنة على قدمي : ١٠٠ خيرزانة بالتمام والكمال وأنا صامد لم أصرخ صرخة واحدة.
**انتهت المحاكمة بطردي من المدرسة لحين إحضار ولي أمري وعلمت أن أحد المدرسين حرض الناظر على مجلتي وشخصي الضعيف، وأوهمه أنها مجلة جميلة تستحق الجائزة فحدث ما كان! 
**ازعجني في الحكاية أنني لن أستطيع ان احكيها لوالدي المدرس بالأزهر لأنه سيضاعف علي الجزاء بكل تأكيد : الصبر كان الحل ولكن القلق الشديد والخوف من قرب امتحانات آخر العام جعلني أغامر متسللا إلى المدرسة من باب جانبي حيث ألقى علي القبض الحارس عم بشير- النوبي الجميل - وأخذني إلى حضرة الناظر من الدار إلى النار !!
**فوجئت بشخص آخر غير الذي وجه إلي الضربات والكلمات: بهدوء شديد طلب مني الجلوس على مقعد بجواره، وأفهمني بأنه لم يستطع النوم منذ أن عاد إلى منزله وفكر في الأمر بموضوعية وغلب حسن النية، في اليوم التالي أشرف بنفسه على لجنة الفحص للمجلات المتقدمة للمسابقة ووجد انني صنعت الأفضل وقرر منحي الجائزة (٥ جنيهات كاملة وكانت تعد ثروة في تلك الأيام) ومعها هدية الكتاب الخاص بالصف الثاني الثانوي وترضية أدبية رائعة نصحني في أخرها أن أستجيب للحلم وأبدأ في اتخاذ الخطوات العملية..
**حتى لا أطيل عليكم : نجحت في الثانوية العامة والتحقت في قسم الصحافة بجامعة القاهرة : صبيا على مشارف الشباب..عمره فقط ١٥ سنة، أثار وجودي في رحاب الجامعة الدهشة والاستفسارات ممزوجة بالمعاكسات، إلى أن وصل الخبر إلى المرحوم سعيد صادق الصحفي بالجمهورية فأخذني في سيارته الحمراء إلى مبنى الجريدة القديم بشارع زكريا أحمد وأدخلني فورا إلى رئيس التحرير : الصحفي العملاق الأستاذ جلال الحمامصي الذي حاورني في الصحافة والسياسة والأدب، كلفه ذلك نصف ساعة تقريبا من وقته الثمين ، بعدها عرض علي التدريب في الجمهورية 

..كان ذلك في مثل هذا اليوم ١٣ نوفمبر ١٩٥٨ ومن يومها أصبحت الجمهورية بيتي الأول...لم أغادرها إلا مرتين : الأولى في بعثة تدريبية  إلى كلية الصحافة ببرلين الشرقية وبعدها كنت اول مراسل للجمهورية في ألمانيا الديمقراطية ، والمرة الثانية كانت في أكتوبر ١٩٧٢ مرافقا لزوجتي الغالية -رحمها الله- عملت هي كمدرسة في رابغ بينما كنت انحت الصخر لمظة قاربت على العام ، مترددا على جدة،لأحصل أخيرا على فرصة عمل مخرجا فنيا لصحيفة عكاظ وبعدها انتقلت إلى مؤسسة تهامة للإعلان والعلاقات العامة والدراسات التسويقية-أكبر مؤسسة من نوعها في المنطقة- وهناك انشأت القسم الصحفي بإدارة العلاقات العامة، ليقوم بخدمة المصالح والهيئات ورجال الأعمال إعلاميا وصحفيا والحمد لله نجحت التجربة وعلمت العديد من الشباب السعودي والمصري والسوداني في هذا المجال..مستحضرا كقاعدة ..دراستي لفن العلاقات العامة  في الجامعة على يد الأستاذ الراحل الدكتور إبراهيم أمام ..
**عدت بعد ١٢ عاما تقريبا إلى أحضان الوطن ..عازما على أن استرد مكانتي المستحقة في بيتي الجمهورية مستكملا رحلة الكفاح والصعود في سلم صحافة الجلالة حيث غادرتها من قبل نائبا لرئيس قسم التحقيقات الصحفية (معلمي المرحوم الأستاذ وحيد غازي) وكنت وقتها أصغر من تولى هذه المسئولية..
**تسلمت عملي وكان راتبي لا يتجاوز ٤٠٠ جنيه شهريا وعندي من الأولاد ٤ بمراحل التعليم المختلفة..دعمتني شريكة الحياة وطلبت مني أن اتفرغ للعمل بكل طاقتي ،تاركا لها الحمل الشاق مسئولية البيت والأولاد وبالفعل ساعدني الصديق المرحوم جلال العريان وساعدني للأستاذ محفوظ الأنصاري رئيس التحرير لأتولى رئاسة قسم التحقيقات الشاغرة وأكرمني الله سبحانه وتعالى بفكرة جديدة ملهمة وهي صفحة (رمضان والناس) التي تعتمد على التعامل مع الشهر الكريم كضيف عزيز مؤثر في حياة الصغير والكبير ..الغني قبل الفقير..نجحت الصفحة نجاحا قياسيا وأشاد بها الزملاء في الصحف المنافسة وأتصل بي أستاذي المرحوم عبد الوارث الدسوقي -نائب رئيس التحرير في أخبار اليوم- مهنئا تلميذه بهذا النجاح الباهر.
**بعدها -بفضل الله - نجحت في استعادة الصفحة الثالثة موقعا ومساحة للتحقيقات الصحفية ورفعت راية الصحافة والحب والود إلى من يرغب في العمل بالقسم من الزملاء وطلبت من رئيس التحرير أن يحملني مسئولية تدريب الشباب الواعد معي وقد كان ويتواصل النجاح الأدبي بالدرجة التي لا تجعلني أفكر في أي مقابل مادي بل استعدت لياقتي المهنية وعملت - بجانب التحقيقات- في الديسك المركزي -المحراب المسئول عن إصدار الجريدة ..اكتسبت الخبرة بسرعة ورشحت للعمل كنائب رئيس التحرير التنفيذي مسئولا عن خروج الجريدة إلى النور بطبعاتها الثلاث وأحيانا الأربعة أو الخمس..بتوجيهات الأستاذ سمير رجب رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير الاسبق -بارك الله في صحته- وتلقيت في هذه الأثناء مكافأة معنوية لا تقدر بثمن حيث كلفت بكتابة مقال أسبوعي في صفحة الرأي ، بعد رحيل الأستاذ حافظ محمود -القدوة والقامة-عن عالمنا.
**تواصلت الرحلة لأصبح أول من اختير في قائمة النائب الأول لرئيس التحرير وعندما بلغت سن المعاش أو التقاعد ..لم أشعر أبدا بالرغبة في الرحيل..واصلت العمل في الديسك ..سعيدا تحت رئاسة الأجيال الجديدة..
**وخرجت من رحلة الكفاح بتجربة صحفية غير مسبوقة تمثلت بمشاركتي في مجلة حريتي الغراء..معدا للتقرير الأسبوعي الناقد للعدد ومحررا لباب( زميلي القارىء..محرر حريتي )الذي امتد بفعل النجاح إلى ٤ صفحات كاملة وصداقات عديدة من الإسكندرية إلى أسوان..مازال منهم من يتواصلون معي من الأصدقاء حتى الآن.
**اليوم وأنا أنظر إلى هذه الرحلة واستغرب كيف لم أحصل على استراحة محارب في العمر الثالث، ولكني وأنا أكتب هذا الكلام تأملت المشوار وخرجت بحقيقة جديدة ..مفرحة ورائعة ..أنني بحمد الله ورغم تأكدي بقرب الرحيل إلا أن الله - سبحانه وتعالى - أنعم علي بفيض من الإبداع المتنوع كما تلمسون يا أصدقائي : سواء في مقالاتي الأسبوعية في الجمهورية وحريتي وعقيدتي وكذلك الذكريات التي تخرج تباعا من العقل إلى القلم مباشرة ..تلتزم بالموضوعية وتختار ما يحقق الفائدة ..
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا 

تم نسخ الرابط