ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الإمارات والسودان: من وسيط بارز إلى اتهامات بدعم الميليشيات

خلف الحدث

في خضم الحرب الأهلية المستعرة في السودان منذ أبريل 2023، برزت العلاقات بين السودان والإمارات العربية المتحدة من مجرد شراكة اقتصادية إلى منعطف دبلوماسي وأمني معقد. الإمارات التي لطالما واصلت تقديم المساعدات وتحاول لعب دور الوسيط، تواجه اليوم سلسلة اتهامات من الخرطوم بوصفها داعمة للمليشيات المسلحة، واستخدامها السودان ساحةً لنفوذ إقليمي. هذا التقرير يُقدّم قراءة شاملة للوضع، من الخلفية إلى التطبيقات، من الاتهامات إلى ردود الفعل، ومن بُعدي الأمن والدبلوماسية إلى الاقتصاد وحقوق الإنسان.

1. الخلفية: تاريخ العلاقة بين البلدين

العلاقات السودانية-الإماراتية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، شملت استثمارات إماراتية واسعة في السودان، خاصة في الزراعة والموانئ والعاملين السودانيين في الإمارات.

بروز الصراع الداخلي في السودان بين قوات الدعم السريع (RSF) والجيش السوداني (SAF) منذ 2023 أدّى إلى تدخلات إقليمية ودولية متفاوتة، ما دفع الإمارات إلى لعب دور الوساطة.

2. الوقائع المؤكّدة والاتّجاهات الرسمية

أ) الموقف الإماراتي
أصدرت الإمارات بيانًا في 5 نوفمبر 2025 تؤكد فيه “عدم وجود حل عسكري للصراع في السودان” وتدعو إلى هدنة انسانية فورية ثم وقف شامل للقتال. 
في 14 نوفمبر 2025، خلال جلسة خاصة في مجلس حقوق الإنسان حول الفاشر، أكّدت الإمارات أن الهجمات ضد المدنيين تشكل “تصعيدًا خطيراً” وخروقات للقانون الإنساني، ودعت إلى حماية المدنيين. 
أعلنت الإمارات أنها قدمت منذ 2014 نحو 3.95 مليار دولار كمساعدات إنسانية وتنموية للسودان حتى 2025.
ب) الموقف السوداني والاتهامات
السودان اتّهم الإمارات بأنها تدعم قوات الدعم السريع، وتقوم بـ«خلق مركز صراع» في السودان لغرض الاستفادة من الموارد. 
السودان أعلن مقاطعة دولية وفي المحافل بأن الإمارات لا تُعد وسيطاً محايداً. 
في مايو 2025، قدّم السودان شكوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات بتهمة انتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية بدعمها RSF، لكن المحكمة رفضت الاختصاص.

3. السياق الأمني والاستراتيجي

سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور تحت سيطرة RSF أثار موجة انتقادات دولية، والإمارات أدانت الانتهاكات في الفاشر باعتبارها جريمة حرب.

السودان يحتوي على موارد طبيعية واستثمارات إماراتية كبيرة، ما يجعل الملف ليس مجرد أمن وسلام بل اقتصاد ونفوذ.
الإمارات تجد نفسها اليوم بين دور الوسيط والداعم الإنساني، وبين الاتهامات بدعم أطراف النزاع، ما يشكّل تحدّياً لصورتها الإقليمية والدولية.

4. الدبلوماسية والتوترات الحاصلة

السودان أعلن في نوفمبر 2025 انسحابه من منتدى دولي احتجاجًا على دور الإمارات. 
الاتهامات مستمرّة: الإمارات متهَمة بدعم الذهب والأسلحة إلى السودان، ووسمها ناشطون بـ“#BoycottUAE”. 
الإمارات تردّ بأن ما تقدّمه مساعدات إنسانية مستقلة، وأن الاتهامات تهدف إلى تشويه الدور الإماراتي.

5. الأبعاد الحقوقية والإنسانية

مجلس حقوق الإنسان أقرّ قراراً بخصوص الفاشر طالب بتحقيق فوري في الانتهاكات وقيّم دور الأطراف الإقليمية بما فيها الإمارات. 
آلاف المدنيين السودانيين يعانون من النزاع: تدمير مستشفيات، تهجير جماعي، استعمال أسلحة غير تقليدية. الإمارات طالبت بحماية المدنيين والوصول غير المقيَّد للمساعدات.

6. تحليل الزوايا والدلالات

أ) قانونيًّا ودولياً
الاتهامات للامارات بدعم RSF تضعها في مرمى المساءلة الدولية. رفض محكمة العدل الدولية للاختصاص لا ينهِي القضايا—إذ قد تُتابع من خلال محاكم أخرى أو إجراءات ثنائية.

ب) دبلوماسيَّا
التوتر بين أبوظبي والخرطوم قد ينعكس على تحالفات خليجية-أفريقية، وعلى استثمارات الإمارات في السودان، وعلى قدرة الإمارات على مواصلة دور الوساطة إقليمياً.

ج) استراتيجيًّا
إمارات تتبنّى سياسة “حضور أمني واقتصادي” في القرن الأفريقي، والسودان يعتبر بوابة للبحر الأحمر والموارد؛ الخلاف قد يؤدّي إلى تغييرات في خارطة الاستثمارات والنفوذ.

د) إعلاميًا واجتماعيًا
الحملة الشعبية ضد الإمارات على مواقع التواصل تُشكّل ضغطًا على صورتها الدولية، ما قد يدفعها إلى تقليل “الظهور العسكري” وتعزيز “الوجه الإنساني”.

هـ) إنسانيًا
أي تقويض للوساطة أو استمرار النزاع بدون وقف يؤدي إلى المزيد من المعاناة: ملايين سودانيين بلا مأوى، ومرافق مدمّرة، وموارد طبيّة وشحيحة.

7. السيناريوهات المستقبلية المحتملة

1. تسوية دبلوماسية: الإمارات قد تعلن مبادرة مشتركة مع السودان، تشمل اعترافًا متبادلاً أو لجنة تحقيق مشتركة — ما يُعيد العلاقة إلى طبيعتها تدريجيًا.

2. مزيد من التصعيد الدولي: السودان قد يلجأ لملاحقات قانونية إضافية أو تقاطع أكبر مع الإمارات، ما قد يؤدي إلى آثار اقتصادية على أبوظبي.

3. إعادة ضبط الإمارات لدورها: قد تنسحب الإمارات تدريجيًا من الأدوار الأمنية المباشرة وتُركّز على التنمية والمساعدات لتفادي الاتهامات.

الخاتمة

ما بين الوساطة والدعم الإنساني من جهة، والاتهامات بالتورّط في مسارات العنف من جهة أخرى، تبدو العلاقات بين الإمارات والسودان في مفترق طريق. أبوظبي اليوم أمام اختبار: هل ستثبت بأنها قوة تحقق استقراراً وتنمية؟ أم ستُعتبر طرفاً خارجيّاً يُغذّي الصراع؟
السودان، بدوره، يقف أمام سؤال: هل يستطيع أن يحمي سيادته ويعيد بناء دولته وسط التوازنات الإقليمية؟
وفي الخلاصة، ما يحدث ليس مجرد نزاع ثنائي، بل حلقة في سلسلة من التحديات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية التي تشكّل حاضر القرن الأفريقي والمياه المحيطة به.

تم نسخ الرابط