تطورات سيطرة الجيش السوداني في شمال كردفان ضد قوات الدعم السريع
تعيش السودان حالة نزاع مستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، وهو صراع دموي يفتّت العديد من الولايات الاستراتيجية. في هذا السياق، يبدو أن الجيش السوداني أحرز تقدّماً ملحوظاً في عدد من المحاور، خصوصاً في ولاية شمال كردفان وغيرها من المناطق. السيطرة التي يعلن عنها لا تقتصر على مكاسب تكتيكية فقط، بل تمتد إلى أبعاد سياسية واستراتيجية وإنسانية، ما قد يعيد رسم خارطة النفوذ في السودان.
1. أهم التحركات العسكرية والسيطرة التي أعلنها الجيش
إليك أبرز المناطق التي أعلن الجيش السوداني استعادتها، مع مصادر من تقارير موثقة:
المنطقة ما أعلن عنه الجيش مصدر موثوق
أم روّابة (شمال كردفان) أعلن الجيش استعادة السيطرة على المدينة من قوات الدعم السريع. وكالة الأناضول / الجزيرة
مدينة الرَهَد (شمال كردفان) طرد قوات الدعم السريع من الرهد. الأناضول
منطقة أم صميمة (غرب مدينة الأبيض، شمال كردفان) استعادة المنطقة بعد معارك عنيفة، مع خسائر كبيرة في صفوف الدعم السريع. الجزيرة مباشر / التغيير السوداني
منطقة “كازقيل” ومحلية أم دم حاج أحمد (شمال كردفان) أعلن الجيش أنه استعاد “أم دم حاج أحمد” و”كازقيل” من الدعم السريع. الجزيرة نت / الأهرام
ولايات جنوبية (سنار، النيل الأبيض، النيل الأزرق) أعلن الجيش استعادته عدة مناطق بعد هجمات منسّقة.
2. تحليل الزوايا والتداعيات
أ) بُعد أمني واستراتيجي
شمال كردفان محوري: هذه الولاية لها أهمية كبرى، فهي تربط بين ولايات غرب السودان وشرقه، مما يجعل السيطرة عليها تؤمن للجيش خط إمداد مهمّ.
إعادة السيطرة على المدن الرئيسية (أم روّابة، الرهد) تعزز من موقف الجيش في معركته ضد الدعم السريع، وتُضعف من قدرات الأخير على التحرك بحرّية أو استخدام هذه المناطق ك قواعد لعمليات مستقبلية.
القوة الجوية: إسقاط طائرات مسيرة أو اعتراض استخدامها (كما أعلن الجيش في بعض المحاور) يعني تقدّمًا في قدرات الجيش للتعامل مع تهديدات الدعم السريع التي تعتمد أحيانًا على الطائرات الصغيرة.
ب) بُعد دبلوماسي وسياسي
أداة تفاوض: سيطرة الجيش على هذه المناطق تمنحه أوراق تفاوضية قوية؛ فقد يستخدمها في المفاوضات الداخلية أو مع جهات دولية ترغب بالسلام أو إعادة بناء الدولة.
تعزيز شرعية الدولة: استعادة الأراضي تمنح الجيش صورة “حامي الدولة” أمام الشعب السوداني والمجتمع الدولي، ما قد يساعده في كسب دعم سياسي أو عسكري من دول معنية.
ج) بُعد إنساني
آمال في استقرار جزئي: بعض المدنيين قد يجدون في المناطق التي استعادها الجيش أماناً مؤقتًا، خاصة إذا تمّ ضمان وصول المساعدات أو تأمين بعض الخطوط الأساسية.
لكن النزوح ما زال قائمًا: حتى مع هذه المكاسب، الكثير من المناطق ما زالت غير آمنة بالكامل؛ المنظمات الإنسانية حذّرت من تردي الخدمات الأساسية (مياه، صحة، غذاء) في المناطق المحرّرة حديثًا.
خطر تعزيز الانقسامات: السيطرة العسكرية وحدها لا تبني السلام. إذا لم تواكبها معالجة سياسية واجتماعية، فإن النزاع قد يعود أو يتحول إلى نزاع محلي.
3. التحديات التي تنتظر الجيش بعد السيطرة
1. إدارة ما بعد المعركة
استعادة السيطرة لا تنتهي بالحصول على الأراضي؛ ما بعد ذلك يتطلب إعادة بناء، تأمين، وإدماج السكان المحليين في النظام. هذا عبء كبير مع ضعف البنية التحتية والنزوح.
2. الموارد
لضمان استدامة السيطرة، يحتاج الجيش إلى موارد بشرية ولوجستية، والعقبة تكمن في أن الدعم السريع قد يعيد تجميع قوته على محاور جديدة.
3. الضغوط الدولية
المجتمع الدولي قد يضغط على الجيش لوقف التصعيد، خاصة إذا ربط السيطرة العسكرية بالحاجة إلى بدء تسوية سياسية أو وقف إطلاق نار.
4. المخاطر من الدعم السريع
الدعم السريع ليس قوة موحدة بالضرورة؛ قد يعيد تنظيم صفوفه، أو يستخدم تكتيكات غير تقليدية، أو ينفّذ هجمات مضادة في مناطق لم يُستعادها بعد.
4. زوايا إضافية مهمة للنظر فيها
دور الميليشيات المحلية: بعض المجموعات المسلحة في دارفور وكردفان قد تكون متحالفة مع الجيش أو مع الدعم السريع، لذلك المعركة على الأرض ليست ثنائية بالكامل.
إلى أي مدى ستدعم القوات الدولية هذه المكاسب؟: الدعم الدولي سواء عبر إيصال مساعدات أو مراقبة ما بعد المعركة قد يكون حاسمًا.
خيار السلام مقابل الاستغلال السياسي: هل يستخدم الجيش انتصاراته الحالية لفرض السلام، أم لتعزيز نفوذه؟
الاستقرار الطويل الأمد: السيطرة العسكرية تفتح الباب أمام إعادة بناء، لكن من يضمن ألا تعود الاحتجاجات أو الانقسامات بعد ذلك؟
الخاتمة
الجيش السوداني يبدو اليوم في موقع أقوى من ذي قبل، وقد نجح في استعادة عدة مناطق استراتيجية في الولايات الحسّاسة مثل شمال كردفان. لكن هذا التقدم ليس نهاية الصراع — ما بعد السيطرة يحمل تحديات ضخمة من الناحية اللوجستية، الإنسانية، والسياسية.
إذا أراد الجيش تحويل هذه المكاسب إلى استقرار فعلي، فسيحتاج إلى خطة شاملة لإدارة ما بعد المعركة، دعم دولي، ومحور سياسي/سلمي حقيقي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن هذا الصراع هو أكثر من معركة عسكرية — إنه اختبار لبنية الدولة السودانية وقدرتها على إعادة بناء نفسها بعد سنوات من النزاع.