ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل تساءلت يومًا عن سر هشاشة جيل اليوم، رغم كل المعرفة والتقنيات التي تحيط به؟ لماذا أصبح العقل سريع الانفعال، والقلب أقل صلابة، والجسد أضعف من أن يتحمل صعوبات الحياة؟ هل فقد التعليم قيمته عندما لا يجد الطالب أو الخريج فرصة حقيقية لممارسة ما تعلمه؟ وهل أصبح مفهوم النجاح مجرد وهم سريع الزوال، يُقاس بالصور الرنانة أو الرغبات الفورية؟

شباب اليوم يعيش بين صورتين: صورة واقعية تحاول أن تُشكل حياته، وصورة افتراضية براقة على شاشاته تسرقه من صموده وإرادته. كل لحظة تمر هو في سباق بين رغبة تتحقق بضغطة زر وقدرة محدودة لا تكاد تفي بالمتطلبات، وبين طموح يتجاوز إمكاناته وواقع يفرض نفسه بلا رحمة. وفي قلب هذا الواقع، تتآكل الجذور: جذور الفكر، جذور الصبر، جذور الاعتماد على النفس، وجذور القدرة على تحمل المسؤولية.

وهنا يكمن السؤال الأخطر: إذا نشأ الجيل في ظل رفاهية فورية، وانشغال بالصور والمظاهر، وغياب فرص حقيقية للتطبيق العملي لمؤهلاته، فكيف سيصبح أبًا وأمًا قادرين على بناء أسرة، أو شخصًا قادرًا على أن يصنع مستقبله ومستقبل الآخرين؟ هذه ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل هي دعوة لفهم هشاشة عصرنا، وانعكاساته على الإنسان والمجتمع، وتحفيز لإعادة النظر في طريقة بناء جيل قادر على مواجهة الغد بثقة وصلابة.

لم يعد الجيل الحالي يشبه الأجيال التي سبقته في بنيته الفكرية ولا في قدرته على التحمل ولا في رؤيته للحياة. ورغم أن الفارق الزمني بين جيل وآخر لا يتجاوز بضعة عقود، فإن الفارق في الملامح الإنسانية والصلابة الداخلية أصبح أعمق بكثير من الفارق في السنوات. إنك حين تنظر إلى شباب اليوم، بناته وذكوره، تشعر بأنهم يعيشون في عالم سريع الإيقاع متقلب المعايير، صاخب في ظاهره، هش في جوهره. وهذه الهشاشة التي نراها في النفوس ليست معزولة عن هشاشة أخرى تمتد إلى التعليم الذي لم يعد قادرًا على بناء عقل متوازن، وإلى التربية التي لم تعد تمنح الأبناء الصلابة والقيم التي تحتاجها النفوس لتستقر وتشتد. وحتى المنظومة الصحية التي يفترض أن تهيئ للجيل جسدًا قادرًا على الصمود، أصابها التراجع، فانعكس ضعفها على الأسرة وعلى الأبناء، لتتكون في النهاية مرآة تعكس ضعفًا عامًا في البنية التي يُفترض أن تحمل الغد.

لقد خلقت وسائل التواصل الاجتماعي نمطًا من التفكير لا يسمح بالتأمل، ولا يمنح صاحبه فرصة للجلوس مع نفسه أو تقييم مساره. أصبح العقل مشدودًا إلى شاشة صغيرة تتدفق منها آلاف الصور والمقاطع والآراء المتناقضة، فتتشكل شخصية تعتمد على ردود الأفعال السريعة أكثر من المواقف المستقرة. ومع هذا الاندفاع الرقمي، نشأت ثقافة قائمة على الرغبة الفورية: كل شيء يجب أن يتحقق الآن، وبمجرد ضغطة زر. أصبح الشاب يرى صورة هاتف جديد فيقرر امتلاكه فورًا، ويرى سيارة أو رحلة أو وجبة فيعلن رغبته فيها دون أن يتوقف ليسأل: هل يناسب دخلي؟ هل يناسب دخل والدي؟ هل ما أطلبه في حدود الاستطاعة أم في حدود الوهم؟ هذا الواقع يجعل كثيرًا من الشباب يتعاملون مع الحياة كأنها تطبيق إلكتروني: اضغط تتحقق، اطلب تصل، اشتهِ تُمنح… دون إدراك للجانب القاسي من الواقع، ولا لمعاناة الآباء الذين يحاولون مطابقة دخلهم المحدود بطموحات لا سقف لها.

وهكذا تحولت الحياة إلى سباق بين الرغبة والقدرة، سباق لا ينتبه فيه كثير من الشباب إلى الفجوة الهائلة بين ما يريدونه وما يمكن للأسرة تحمله. لم يعد كثير منهم يدرك أن الأحلام تحتاج إلى مسؤولية، لا إلى ردود أفعال لحظية. هذه الفجوة لا تؤثر على الشباب فقط، بل تضغط على الأسرة، وتزيد من ضعف الروابط الاجتماعية، خصوصًا عندما تتراجع التربية والتعليم والرعاية الصحية، لتصبح هشاشة الجيل انعكاسًا لهشاشة المنظومة بأكملها.

ولا يمكن فصل هذه الهشاشة عن نمط الحياة اليومي؛ فالاعتماد المتزايد على الوجبات السريعة وثقافة-الـتيك أواي- خلق جسدًا أقل قوة، ونفسًا أكثر عرضة للتقلب. حتى أبسط تفاصيل الحياة أصبحت تُدار بطريقة لا تحتمل العناء أو الصبر، وكأن الإنسان خُلق ليعيش في وضع «السرعة القصوى»، بينما الحقيقة أن الإنسان لا ينضج إلا بالبطء، ولا يقوى إلا بالتحمل، ولا يتشكل وعيه إلا حين يُتاح له أن يرى الأشياء خارج عدسة الاستعجال. ومع ضعف التغذية السليمة وتراجع الاهتمام بالصحة العامة، بات بناء الإنسان هشًا من جذوره، وكأن الجسد والعقل والوجدان تشترك كلها في حالة من الخفة التي لا تحتمل مواجهة الغد.

وفي خضم هذا كله ظهر نوع جديد من التقليد؛ تقليد لا يقتصر على السلوكيات، لكنه يمتد ليشمل نمط التفكير وأسلوب الحياة. لم نعد نقتبس من الغرب التجارب الناجحة أو النظم الفعّالة، بل أصبح كثير من الشباب يستوردون الأشكال دون المضامين، ويعيشون في محاولة دائمة ليكونوا نسخة مما يشاهدونه، لا نسخة مما يمكنهم أن يكونوه. وهكذا يتكوّن جيل يقف بين صورتين: صورة حقيقية غامضة، وصورة افتراضية براقة، وبينهما مسافة لا يستطيع قطعها لأنه لم يتسلّح بما يكفي من الوعي والإرادة.

وما يزيد المشهد تعقيدًا أن هذا الجيل لم يُعدّ نفسيًا ولا فكريًا لمهمة أن يكون أبًا أو أمًا في المستقبل. فالشاب والفتاة اليوم لم يُدرّبا على المسؤولية الحقيقية، ولم يُربَّيا على صلابة الدور الذي ينتظرهما، ولا على معنى أن يحمل الإنسان أسرة على عاتقه. لقد نشأ كثير منهم في ظل رفاهية تُلبّي الرغبات قبل أن تتشكل الحاجة، وتستجيب قبل أن يتعلم صاحبها كيف يطلب، وتُعطي قبل أن يعرف «قيمة» العطاء. وهذه الرفاهية التي تبدو نعمة قد تنقلب، مع الزمن، وبالاً عليهم وعلى ذويهم، لأنها سلبتهم أهم ما يحتاجه كل أب وكل أم: القدرة على التحمل، واتخاذ القرار، وبناء الذات قبل بناء الآخرين.

وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: غياب فرص العمل التي تتوافق مع مؤهلات الشباب. فالطالب أو الخريج عندما يدرك أن شهادته لا تكاد تفتح له بابًا حقيقيًا للعمل أو أن المؤهلات التي اكتسبها لن تجد تطبيقًا عمليًا في سوق العمل، يفقد التعليم معناها وقيمته الجوهرية. يتحول التعليم إلى مجرد تراكم معلومات، ويصبح الطالب مستهلكًا لها بلا هدف، بلا رؤية، بلا قدرة على تطبيق المعرفة لبناء ذاته أو المستقبل. هذا الواقع يزيد من شعور الشباب بالهشاشة ويجعل الطموح معلقًا بما يمكن للأسرة أو الحظ أن يوفره، بدلًا من أن ينبع من جهدهم وإرادتهم، فيفقد التعليم كينته ويصبح مجرد عبء ثقافي بلا قوة محركة.

وعندما تجلس بين مجموعة من الشباب تجدهم جميعًا يحملون شهادات جامعية، لكنهم لا يحملون معها رؤى للمستقبل، ولا خططًا لبناء الذات، ولا رغبة حقيقية في صنع طريقهم بأيديهم. أصبح طموح بعضهم معلقًا بما يمكن أن توفره الأسرة وليس بما يمكن أن يبذلوه هم. كأن زمن العصامية، الذي كان فيه الشاب ينهض من لا شيء ليصنع كل شيء، قد أوشك أن ينقرض. لم تعد الفكرة قائمة على الجهد والإصرار والمثابرة، بل على انتظار الظرف المناسب والفرصة السهلة.

ومع ذلك، فإن الشباب ليسوا مسؤولين وحدهم عن هذا الواقع؛ فالعصر ذاته يضع على كاهلهم ما لم تضعه العصور السابقة على أحد. الإيقاع السريع، ضغوط المقارنة الدائمة، غياب القدوة، تعقّد سوق العمل، اقتصاد متحرك لا يثبت على حال، وتغيّر في مفهوم النجاح ذاته. كل ذلك جعل كثيرًا منهم يتراجعون خطوة بعد خطوة، حتى أصبحوا أكثر هشاشة وأقل ثباتًا، وأضعف قدرة على رؤية الطريق أمامهم بثقة.

لكن هذا الواقع ليس قدرًا محتومًا. ما يحتاجه الشباب اليوم ليس محاكمة، بل إعادة بناء للوعي، وإحياء لقيم العمل الجاد والاعتماد على النفس، ونفخ الروح في فكرة أن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله حتى لو بدا الطريق صعبًا. يحتاجون إلى أن يشعروا بأن داخل كل واحد منهم قوة كامنة، تحتاج فقط إلى من يوقظها ويرشدها، لا من يستبدلها بصورة لامعة على شاشة أو رغبة تُلبّى فورًا دون وعي أو مسؤولية. وكذلك يحتاج المجتمع والدولة إلى خلق فرص عمل حقيقية تتواكب مع مؤهلات الشباب، حتى يجد التعليم قيمة تطبيقية ويصبح الطريق لبناء الذات والمستقبل، وليس مجرد تراكم شهادات بلا أفق.

وحين يستعيد الشاب علاقته الحقيقية بذاته، ويتصالح مع واقعه، ويفهم أن النجاح لا يُصنع بالخطوة السريعة ولا بالمظاهر، بل بالثبات والمثابرة والوعي، عندها فقط يعود الإنسان أكثر صلابة، ويعود الغد أكثر وضوحًا، وتعود الحياة إلى نبضها الطبيعي الذي يصنع الرجال والنساء القادرين على أن يكونوا آباء وأمهات يحملون جيلاً جديدًا إلى مستقبل أفضل.

وهكذا، فإن مأزق الجيل الحالي ليس مأزق أفراد تاهوا في زحام العصر فحسب، بل هو انعكاس حقيقي لمأزق منظومة كاملة تراجعت في التعليم، وضعفت في التربية، وارتبكت في الثقافة، واسترخت في الرعاية الصحية، حتى خرج منها جيل يحمل في ملامحه كل هشاشة هذا الواقع. جيل يعيش في زمن تتسارع فيه الرغبات أسرع من القدرة، وتتسابق فيه الصور أسرع من الوعي، وتتضخم فيه الطموحات بينما تتآكل فيه جذور الصلابة.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن هذا الجيل لم يُخلق ضعيفًا، ولم يُولد هشًّا، بل صُنع كذلك حين جرى تسليمه لعالم يتجاوز حدود طاقته دون أن نمنحه أدوات التعامل معه. فإذا أردنا استعادة قوته، فلا بد أن يستعيد المجتمع وظيفته الأولى: إعادة بناء الإنسان من جذوره، لا من مظهره؛ من وعيه، لا من رغباته؛ من قدرته على الصبر، لا من قدرته على الضغط براحته على شاشة الهاتف، وبتوفير فرص حقيقية لممارسة ما تعلمه في بناء مستقبله.

إن مستقبل هذا الجيل لن يُكتب له الأمان إلا إذا نجحنا في إعادة التوازن بين ما نريده لهم وما نحتاج أن نغرسه فيهم، بين أحلامهم التي تكبر بلا سقف، وواقعهم الذي يحتاج إلى عقل راسخ وقلب قوي ونَفَس طويل. وحين يدرك الشاب والفتاة أن الحياة لا تُقاس بسرعة الإنجاز بل بعمقه، وأن بناء الذات أهم من اقتناء الأشياء، وأن الصلابة ليست هدية من الزمن بل ثمرة جهد وتربية ومسؤولية- عندها فقط نستطيع أن نقول إن الجيل القادم يسير إلى الغد بثبات، لا بهشاشة، وبأمل لا يتبدد عند أول صدمة. 

والله من وراء القصد.

تم نسخ الرابط