غينيا بيساو بعد الانقلاب: هل تدخل الدولة الأكثر هشاشة في غرب أفريقيا مرحلة إعادة التأسيس؟
في صبيحة 27 نوفمبر 2025 استيقظت غينيا بيساو على واقع سياسي جديد بالكامل. الجيش يعلن “استعادة النظام”، الرئيس المنتخب أومارو سيسوكو إمبالو يُعزل، المؤسسات تُجمَّد، والانتخابات تُعلَّق قبل لحظات من إعلان نتائجها. وبين ليلة وضحاها، تحوّلت الأزمة الانتخابية إلى انقلاب عسكري كامل يعيد البلاد إلى دائرة الانقلابات التي لم تتوقف منذ استقلالها عن البرتغال عام 1974.
ورغم إعلان رفع حظر التجوّل جزئيًا في العاصمة بيساو، فإن الحياة السياسية ما زالت تحت قبضة الجيش، وسط مخاوف محلية ودولية من أن تكون الدولة الفقيرة – والتي تُعد مركزًا لتهريب المخدرات نحو أوروبا – على أعتاب مرحلة أكثر تعقيدًا.
1) الوقائع المؤكَّدة: هكذا جرى الانقلاب، ساعةً بساعة
● سيطرة كاملة على الدولة
في مساء 26 نوفمبر، ظهر ضباط في القوات المسلحة عبر التلفزيون الرسمي معلنين:
- عزل الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو.
- تعليق عمل الحكومة والبرلمان.
- وقف العملية الانتخابية قبل إعلان النتائج.
- تشكيل قيادة جديدة تحت اسم:
“القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام”.
● تعيين رئيس انتقالي
في صباح 27 نوفمبر، تم تنصيب الجنرال هورْتا نتا نا مان رئيسًا انتقاليًا لمدّة عام، مع صلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة.
● توترات على الأرض
تقارير محلية أكدت:
- إطلاق نار قرب القصر الرئاسي ومبنى اللجنة الانتخابية.
- إغلاق الحدود البرية والبحرية.
- انتشار عسكري في العاصمة.
- فرض حظر تجوّل كلي، ثم رفعه جزئيًا بعد 12 ساعة “لتهدئة الشارع”.
● ماذا يعني ذلك؟
ما حدث هو انقلاب عسكري شامل وليس مجرد “إعادة فرز” أو “احتجاج انتخابي”. الدولة المدنية أُسقطت بالكامل.
2) لماذا الآن؟ الأسباب العميقة وراء الانقلاب
غينيا بيساو واحدة من أكثر الدول هشاشة سياسيًا في أفريقيا، وتشهد تاريخًا طويلًا من الانقلابات والانقسامات العسكرية. لكن لماذا وقع الانقلاب الآن تحديدًا؟
● انتخابات مشحونة
البلاد كانت على وشك إعلان نتائج انتخابات رئاسية متقاربة للغاية بين الرئيس المخلوع ومنافسين بارزين.
تسريبات إعلامية تحدّثت عن:
- مخالفات انتخابية.
- اتهامات بالتزوير.
- تدخل شبكات تهريب المخدرات في تمويل الحملات.
الجيش استغلّ هذه الاتهامات لتبرير “تدخله لحماية الدولة”.
● نفوذ الجريمة المنظمة
غينيا بيساو تُسمّى دوليًا “Narco-State” بسبب نشاط عصابات تهريب الكوكايين من أميركا اللاتينية عبر سواحلها.
الانقسام بين السياسيين والعسكر كثيرًا ما يرتبط بالصراع على هذه الشبكات.
● هشاشة المؤسسات
النظام السياسي يعاني منذ سنوات من:
- تغيّر الحكومات المتكرر.
- صراع بين الرئاسة والبرلمان.
- ضعف الأجهزة الأمنية.
- انقسام داخل الجيش نفسه.
هذه العناصر كانت كافية لاندلاع الانقلاب بمجرد توتر المناخ الانتخابي.
3) ما الذي تغيّر الآن داخل الدولة؟
● إدارة انتقالية لمدة سنة
القيادة العسكرية قالت إنها ستبقى حتى “إعادة النظام وإصدار دستور جديد”.
لكن بدون تفاصيل واضحة أو جدول زمني، تبقى هذه الوعود مفتوحة.
● الحياة اليومية بين الانفتاح والقلق
— الأسواق فتحت جزئيًا
— المواصلات تحرّكت
— المدارس لم تستأنف
— نقاط تفتيش عسكرية في كل مداخل العاصمة
— المواطنون يتحسّسون رؤية مسلحين في كل شارع
البلاد تتنفس، لكنها تتنفس بحذر شديد.
● غياب أي مسار انتخابي
حتى الآن، لا توجد:
- لجنة انتخابية.
- مواعيد محددة.
- ضمانات دولية.
- تصريحات عن مشاركة الأحزاب.
ما يعني أن العودة للحكم المدني ما زالت غامضة تمامًا.
4) السيناريوهات المحتملة: إلى أين تتجه غينيا-بيساو؟
السيناريو الأول: استقرار عسكري مؤقت
- عام من “إعادة ترتيب البيت السياسي”.
- صياغة دستور جديد.
- ضبط شبكات التهريب.
- تقليل الاحتجاجات عبر الأمن الصارم.
السيناريو الثاني: أزمة شرعية وضغط دولي
الاتحاد الأفريقي و«إيكواس» قد:
- تفرض عقوبات اقتصادية.
- تعلّق عضوية غينيا-بيساو.
- تجبر الجيش على العودة للانتخابات.
وهو ما سيضع القيادة الانتقالية في مأزق.
السيناريو الثالث: انفلات داخلي
إذا تحرك الشارع أو دخلت العصابات على الخط:
- قد تنشب موجة عنف.
- انهيار اقتصادي سريع.
- نزوح داخلي.
- تدخل أجنبي لمكافحة الجريمة.
5) لماذا يراقب العالم ما يحدث في دولة صغيرة مثل غينيا بيساو؟
● موقع حساس
الدولة تقع عند بوابة الأطلسي، وتتحكم في ممرات مهمة لتهريب المخدرات إلى أوروبا، وهو ملف يقلق أجهزة الأمن الأوروبية.
● تاريخ من الانقلابات
كل انقلاب جديد يُضعف فرص بناء دولة ديمقراطية مستقرة في غرب أفريقيا.
● تأثير إنساني
المخاوف تشمل:
- الاعتقالات
- التضييق على المعارضة
- تقييد الإعلام
- تراجع الحريات
● تأثير اقتصادي
أي اضطراب سياسي يهدد:
- صادرات الكاجو (المصدر الاقتصادي الأول)
- المساعدات الدولية
- الاستثمارات الأجنبية القليلة
6) أسئلة لا تزال بلا إجابة
- أين الرئيس المعزول إمبالو الآن؟
- هل سيُفرج عن المعتقلين السياسيين؟
- هل الجيش موحّد أم هناك انقسام داخلي صامت؟
- هل تُستأنف الانتخابات خلال عام أم تتأجل أكثر؟
- هل ستقود هذه المرحلة إلى دستور جديد أم إلى “تطبيع الحكم العسكري”؟
- كيف ستتعامل أوروبا مع ملف تهريب المخدرات بعد التغيير في السلطة؟
بلد على مفترق طرق
غينيا بيساو اليوم أمام مفترق حقيقي:
- إمّا عام انتقالي يضع الدولة على مسار جديد،
- أو دخول في دوامة جديدة من الانقلابات، والشرعية الممزقة، وسيطرة شبكات الجريمة.
رفع حظر التجوّل وإعادة فتح الأسواق يمنح المواطنين بعض الأمان اللحظي، لكن جوهر الأزمة سياسي لا أمني.
فما لم يُعلَن جدول انتخابي واضح، وتضمن مؤسسات الدولة استقلالها، سيظل مستقبل غينيا بيساو رهينة “مزاج العسكر” وليس إرادة الشعب.