ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم يعد ما نشاهده اليوم في مدارسنا مجرد تجاوزات عابرة، ولا نزقَ صبيةٍ يندفعون خلف شقاوةٍ بريئة كما كان يحدث في الماضي، بل أصبحنا أمام مشاهد تصدع لها القلوب قبل الجدران.

 رأينا طلابًا يقتحمون مكتب موظفةٍ مسكينة، يتنمرون بها، ويقذفون على مكتبها سلة القمامة بما فيها، وهي تصرخ وتلوّح بيدها طلبًا للنجدة، في صورة تهزّ الضمير الحيّ قبل أن تهزّ أركان المدرسة.

ورأينا في مدرسة أخرى فصولًا تحوّلت إلى ساحات صخب ورقص وغناء، لا يعرف أصحابها شيئًا من قدسية المكان ولا رسالته. ثم تُفاجئنا بعض الإدارات التعليمية بعقوبات هزلية لا تزيد على كونها إجازة مفتوحة لمدة أسبوعين، يسميها البعض فصلًا.. بينما هي في حقيقتها مكافأةٌ تشحن في نفوس هؤلاء مزيدًا من العبث والتمرد، ليعودوا بعدها أكثر نشاطًا وحماسًا لممارسة ما لا يليق بطلاب العلم.

والحقيقة المرّة أن هذه الانحرافات لم تأتِ فجأة، ولم تنبت في ليلة وضحاها، بل هي ثمرة سنوات طويلة من البلطجة الفنية والانحدار الأخلاقي الذي صاغ وجدان جيلٍ كامل.

 فقد أصبح الفنان محمد رمضان –للأسف– المعلّم الحقيقي لكثير من أبنائنا، بتسويق ثقافة العنف، وتقديس الهمجية، وتمجيد صورة البلطجي الذي يستولي على الإعجاب والتصفيق.

ولم يكن "رمضان" وحده في هذه المسرحية العبثية؛ ففنانو مدرسة المشاغبين من قبلُ وضعوا اللبنة الأولى في بناء الاستهزاء بالعلم والمعلم، وفتحوا الباب واسعًا أمام موجات الفراغ العقلي والوجداني. 

ثم جاء بعدهم سعد الصغير الذي أشاع أغنياته الهابطة، وصنع لنفسه بطولةً زائفة في قصة الغرام المشؤومة مع حماره، وهو يناديه متوسلًا في مشهدٍ لا يليق بإنسان: «بحبك يا حمار».

وتبعهم ركب طويل من مطربي الإسفاف الذين يتصدرون شاشات الهواتف والعقول:

أغنيات "سطلانة" و "سيب إيدي" و "مهرجان إيه ده" وما تلاها من موجة لا تحمل شيئًا إلا العري اللفظي، وخواء المعنى، وانهيار الذوق، حتى صار بعض شبابنا يقلّدون ما يسمعونه قبل أن يفهموا ما يتعلمونه.

إن ما يحدث اليوم ليس أزمة مدارس فقط، بل أزمة ثقافة وقدوة وصناعة وعي، أزمة جيلٍ تُرِك فريسة للشاشات، يعيش في واقع بلا ضابط، ويقتبس أخلاقه من نجوم الانحدار بدل أعلام العلم والرفعة والاحترام.

والأمل باقٍ.. ما بقي بيننا مصلحون يوقنون أن التربية ليست شعارات، وأن المدرسة ليست مبنى، وأن الأخلاق إذا انهارت انهار معها كل شيء.

تم نسخ الرابط