أوروبا تتحرك للدفاع عن نفسها دون الاعتماد على أمريكا… التفاصيل
بدأت دول الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات عملية لبناء منظومة أمنية قارية مستقلة، في ظل تزايد القلق من مواقف الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، الذي صعّد من هجماته ضد أوروبا وشكّك مرارًا في استمرار الضمانات الأمنية الأميركية التقليدية.
ووفقًا لتقرير نشره موقع "بوليتيكو"، فإن القادة الأوروبيين باتوا يختبرون نماذج دفاعية جديدة يمكن أن تعمل دون الاعتماد المباشر على الولايات المتحدة، خاصة مع تقلص الثقة في التزام واشنطن بحماية الحلفاء في حال تعرض أي دولة أوروبية لهجوم.
تحالفات جديدة بعيدًا عن المظلة الأميركية
أشار التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من القرارات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا بات يُتخذ داخل ما يعرف بـ"تحالف الراغبين"، الذي تقوده كل من بريطانيا وفرنسا، في مؤشر واضح على انتقال مراكز صنع القرار العسكري خارج الهيمنة الأميركية التقليدية.
وقال مسؤول دفاعي أوروبي رفيع إن الحوار الحالي بين الأوروبيين والأميركيين بشأن ضمانات أوكرانيا الأمنية أصبح «محرجًا»، مضيفًا أن الشكوك في تدخل واشنطن بموجب المادة الخامسة من ميثاق الناتو باتت «مرتفعة للغاية».
تباين متصاعد وتوتر دبلوماسي
غياب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن اجتماع وزراء خارجية الناتو أثار قلقًا كبيرًا في العواصم الأوروبية، وزاد التوتر بعد توبيخ نائبه كريستوفر لانداو لدول الاتحاد بسبب تركيزها على صناعتها الدفاعية بدلًا من شراء السلاح من واشنطن.
كما عززت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة هذا الاتجاه، بعدما تضمنت رسائل مباشرة بأن «زمن دعم أميركا للنظام العالمي قد انتهى»، وأن على الدول الغنية تحمّل مسؤولياتها الأمنية والاقتصادية.
الهجرة والتهديد الروسي.. دوافع أوروبية لتغيير المسار
التقرير نقل عن قادة عسكريين أوروبيين تحذيرات من احتمال تعرض أوروبا لهجوم روسي بحلول عام 2028، وهو ما دفع عدداً من الحكومات إلى إعادة تقييم اعتمادها المطلق على المظلة الأميركية.
وفي ألمانيا، التي ظلت لسنوات من أشد المدافعين عن الناتو بقيادة أميركية، بدأ المستشار فريدريش ميرتز مناقشات مع باريس حول إمكانية الاعتماد على الردع النووي الفرنسي كجزء من أمن أوروبا المستقبلي.
التحدي الأكبر: الانتقال من الكلام إلى التنفيذ
رغم ذلك، يرى خبراء أن بناء منظومة دفاع أوروبية متكاملة هو «تحدٍ ضخم»، إذ يتطلب استثمارات هائلة قد تُجبر الحكومات على خفض الإنفاق الاجتماعي، ما قد يؤدي إلى اضطرابات سياسية داخلية.
كما أن الحلف الأطلسي نفسه غير مُهيأ للتخطيط لسيناريو «الناتو بدون أميركا»، فيما يصعب على الدول الأوروبية بمفردها تعويض القدرات الأميركية الحيوية، مثل أنظمة الاستخبارات المتقدمة، والنقل الجوي، والأسلحة الثقيلة.
خطوة حتمية أم مقامرة صعبة؟
يرى مراقبون أن التحركات الأوروبية لا تعكس فقط انعدام الثقة في الولايات المتحدة، بل تُظهر إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الأوروبي يحتاج إلى قاعدة مستقلة أكثر صلابة. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل تستطيع أوروبا بالفعل حماية نفسها دون واشنطن؟
المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل جذرية للتحالفات الدفاعية الدولية، في ظل عالم يتغير بسرعة، وتهديدات تتصاعد دون توقف.