ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم تستغرق التحقيقات التي أجريت بشأن دنشواي وهي واحدة من أشهر محاكمات التاريخ فظاعة أكثر من عشرة أيام فقط.

وقع الحادث في ١٣ يونيو ١٩٠٦ وانعقدت المحاكمة في ٢٤ يونيو من ذات العام.

عشرة آيام فقط كانت كافية في نظر القائمين على الأمر لكي تنعقد واحدة من مآسي المحاكمات عبر التاريخ. 

ستون متهماً قُدموا إلى المحاكمة منهم ثمانية غائبين في تهمة قتل "كابتن بول" - الذي قال الأطباء الانجليز أنفسهم أنه مات من أثر ضربة شمس - والشروع في عدد من رفقاء رحلة الصيد المشئومة. 

قبل أن يبدأ المسرح العرض العبثي كان الساحر ينثر سحره.

في البداية عرض عليه كل من المستر "موبيرلي" المفتش الانجليزي لوزارة الداخلية والمستر "مانسفيلد" الحكمدار الانجليزي لبوليس القاهرة خدماتهما في سبيل انجاز المهمة التي وكلت إليه وهي تمثيل الإدعاء قِبل المتهمين ومن بينها حضور التحقيق والاشتراك في استجواب المتهمين لكنه اعتذر وتفتق ذهنه نحو إجراء أخطر من هذا وكان هذا الإجراء هو أن ينتقل إلى مسرح الجريمة لمعاينته وهو بالفعل ما حدث وقد رافقه في معاينته تلك محافظ المنوفية :محمد شكري باشا" ورئيس النيابة " محمد بك إبراهيم"

أجرى إبراهيم الهلباوي ممثل الإدعاء في القضية تجربة يثبت بها استحالة أن يؤدي إطلاق الخرطوش إلى اشتعال النيران في الجرن الذي يدعي المتهمون أن الضباط الانجليز قد اشعلوا جرن التبن بإطلاق الخرطوش من بنادقهم وأن إحدى هذه الطلقات قد تسببت في الحريق الذي كان بداية الأحداث.

قام حكمدار بوليس القاهرة الذي توجه معه إلى دنشواي بإطلاق عيارات نارية من بنادق صيد مزودة بخرطوش من نفس عيار الخرطوش الذي استخدمه الضباط الانجليز ومن نفس مسافة الإطلاق (هي عشرة أمتار) ومن أعلى تل من التبن، فلم يشتعل التبن رغم إطلاق الخرطوش وهو ما يمكن أن يستنتج منه كذب إدعاء المتهمين. 

لقد فعلها الهلباوي.. مسرح الجريمة كان هو المكان الذي ألقى فيه سحره. 

"المحاكمة" 

تركزت مرافعة الهلباوي كمدى عام على ثلاث نقاط رئيسية هي كالتالي:

أولاً: التأكيد على أن حريق جرن التبن قد حدث بفعل فاعل، ليس بسبب طلقة الخرطوش بالفعل ولا بسبب ارتفاع درجة الحرارة أو قضاء وقدر وقد دلل على ذلك بأن أحد الأهالي أمسك بالكابتن "بول" على بعد ٦٠٠ متر من موقع الحريق وقد ثبت أن خاطبه بالقول:

"إنتم حرقتم البلد" وأن إطفاء الحريق لم يستغرق أكثر من عشر دقائق وهي مدة زمنية لا تكفي بأن يقطع هذا الشخص الذي أمسك بالمجني عليه تلك المسافة ولا معنى لعبارته:

"إنتم حرقتم البلد" إلا إذا كانت هناك نية لحرق الجرن كذريعة للهجوم والفتك بالضباط الانجليز. 

ثانياً: إن نجاح الفلاحين في إطفاء النيران خلال خمس عشرة دقيقة مما حال دون القضاء بالكامل على جرن التبن، إذ لم تلتهم النيران إلا خمسه فقط، لدليل على أن النيران كان حولها ما يقارب مائة رجل، كما أنه ثبت من معاينة مسرح الجريمة أن النيران تركت آثارها بأعلى "النورج" الذي قيل بأن النيران طالته ولم تشتعل من أسفله وهو دليل دامغ على افتعال الحريق. 

ثالثاً: وأما عن ظرف سبق الإصرار والذي كان الهلباوي يبحث عنه بشق الأنفس لعلمه بأنه الظرف الذي يرتفع بالعقوبة إلى الإعدام.

 يعلم الهلباوي جيداً كيف يثبت للمحكمة توافر هذا الظرف وكيف ينفيه.

 فهو يثبته في مقام الإدعاء وينفيه في مقام الدفاع وهكذا كان سحره، يستعمله حسب موضعه في القضية وفي دنشواي كان المقام هو الإدعاء.

أثبت للمحكمة أن حضور الضباط الانجليز إلى دنشواي كان معلوماً لأهل القرية ومرتباً له من قبل السلطات. 

لم تكن رحلتهم رحلة صيد عادية بل كانت لضباط انجليز وهو ما أضمر الشر في نفوس المتهمين وانتوا الفتك بالمجني عليهم فأوقعوا بأحدهم قتيل بالفعل.
 فقد أُرسلت إشارات تليفونية بالفعل منذ أن تحركت كتيبة الضباط من القاهرة إلى حين وصولهم قرية دنشواي وقد استغرقت الرحلة ثلاثة أيام وهي فترة زمنية كافية لأن يعقد المتهمين نيتهم ويتدبرون أمرهم وارتكاب جريمتهم، يؤكد ذلك أن أحد المتهمين (حسن محفوظ) خرج وهو في السبعين من عمره من منزله الساعة الثانية ظهراً وتحمل درجة حرارة تجاوزت اثنين وأربعين درجة ليحذر الضباط من الصيد، ولما لم يعيروا له اهتماماً قام بتحريض باقي المتهمين على ارتكاب جريمتهم. 

كان الهلباوي على علم بكل تأكيد بأن سبق الإصرار يمكن أن يكون معلقاً على شرط وقد كان هذا الشرط هو عدم انصياع الضباط الانجليز للعودة دون عملية الصيد.

هذه كانت نقاط رئيسية في مرافعة الهلباوي بالإضافة إلى الدلائل الأخرى، فخلال العشرة الأيام السابقة على المحاكمة لم تعجز جهة الإدراة عن تدبير ضبط بندقيتين خرطوش بمنزل أحد المتهمين (محمد درويش) وكان ضبط السلاح المستخدم هو أحد القرائن الهامة التي قُدمت أمام المحكمة على الرغم من أن وفاة المجني عليه:"كابتن بول" لم تكن بطلق ناري كما سبق القول! 

هكذا ألقى الساحر بحباله وعصيه لكن المحكمة لم تلق بعصاها فتستحيل إلى ثعبان يبتلع ما صنع لكنها تركت الحبال والعصي تتوغل إلى الأوراق فاستحالت الأوراق إلى حبل مشنقة التف حول أعناق أربعة متهمين وإلى سوط ألهب ظهور باقي المتهمين ولم تكن تلك هي المأساة الوحيدة ولا المأساة الكبرى، بل كانت أن تلك العقوبات الفظيعة قد نفذت أمام قلوب وأعين ذوي المتهمين وأن المشانق قد نصبت تحت أبصارهم وبصائرهم وأن أثر السوط الذي تركته آيادي الجلادين بأجساد الأبرياء قد شق صدورهم.

 بل وشق أيضاً ذاكرة التاريخ فسجلت بمداد من الدماء بأن هنا فوق أرض دنشواي أُريقت العدالة تلك التي لم تكن معصوبة العينين ولم تقبض بين يديها غير حبل مشنقة وسوط جلاد. 

لقد اختتم الهلباوي مرافعته بتلك الأسطر التي ستظل شاهداً على واحدة من أسوأ وافظع محاكمات التاريخ:

"نحن أمام محكمة مخصوصة غير مقيدة بالقانون، لأن المشرع لاحظ، أنه توجد بعض حوادث استثنائية، وأن العقوبة يجب أن تكون على قدر هذه الحوادث، وكل الشرائع تثبت أننا محقون في طلبنا، منها القانون الفرنساوي والقانون الانجليزي، وهذا - أي القانون الانجليزي - يقضي بالإعدام دون أن يشترط سبق الإصرار، فلكم تطبيقه إذا فُرض ألاَّ إصرار هناك، بل يمكنكم تطبيق قانون أي أمة تجدون فيه مصلحة الأمن العام. 

والشريعة الإسلامية والقانون الانجليزي في هذا الموضوع يستويان، ولا يمكن لأحد أن يعترض لأن شريعة البلاد إسلامية"

هكذا يلقي الساحر حباله وعصيه لكن المحكمة لم تلق بعصاها فتستحيل إلى ثعبان يبتلع ما صنع لكنها تركت الحبال والعصي تتوغل إلى الأوراق فاستحالت الأوراق إلى حبل مشنقة التف حول أعناق أربعة متهمين وإلى سوط ألهب ظهور باقي المتهمين. ولكن الأمر لم يمر مر السحاب ولم تشرب الأرض دماء الأبرباء ولم ينفك صوت الرأي العام سواء داخل مصر أو خارجها، يندد بمحاكمة أريقت فيها العدالة وظلت الدماء البريئة شاهد على يد كل من أراقها.

و للحديث بقية.

تم نسخ الرابط