السفير جمال الدين البيومي يكتب: حسابات الإصلاح وتحقيق النجاح
تزايدت مؤخرًا حوارات وطنية نشطة تناقش أحوال الوطن، سواء من حيث ما يتحقق من نجاحات وإنجازات في بناء المشروعات والخدمات التحتية والإنتاج والصادرات والاستثمارات، وفائض ميزان المدفوعات، وتزايد الاحتياطي النقدي، والطفرة في تحويلات أبنائنا بالخارج، أو ما يبعث على القلق نتيجة التضخم والأسعار والغلاء والبطالة والمديونية. وتناقش هذه الأمور في حوارات برامج الإذاعة والتليفزيون، وفي أعمدة الصحف. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي التي جدّت علينا، في صورة "كتاب الوجه" Face Book (FB) وغيره من وسائل التواصل، صارت من بين أهم مرجعيات الحوار والآراء والأخبار، واكتسبت مصداقية عند الناس. حتى إنني عندما نبهت سائق سيارة أجرة إلى عدم صحة ما ذكره لي من أخبار، أجاب ببراءة: (إزاي يا أفندم، الخبر منشور في الفيس بوك).
أوضح السفير جمال بيومي عبر صفحته الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلا: وشخصيًا أمارس التجربة بكثافة وأعطيها وقتًا مناسبًا، فصار عندي الحد الأقصى من الأصدقاء (خمسة آلاف) وعدد يتجاوز الأربعين ألف متابع، وهو ما علّق عليه الكاتب الصحفي والصديق الدكتور عبد المنعم سعيد بأنه يتجاوز توزيع كثير من الصحف. والصورة التي خرجت بها من المتابعة اليومية تبعث – في الأغلب – على الاطمئنان النابع من ثقافة الإيمان. فالنسبة الغالبة من الطبقة المثقفة تدري وتفهم ما يدور حولها. وقد تتعدد الآراء حول موضوع واحد، وتجد حوارات إيجابية وطيبة للغاية على صفحات مجموعات من الزملاء قدامى أعضاء السلك الدبلوماسي، تسودها المودة بالرغم من تباين واختلاف الآراء فيما بينهم.
لكن الشيء المزعج هو الدعاية المعادية التي تختلق أخبارًا ملفقة. وكان ملف الدعاية ضد مصر والدعاية ضد العرب والمسلمين من أوائل الملفات التي عملت عليها في بدء حياتي بوزارة الخارجية سنة 1961، وتكررت المواجهة عندما توليت إدارة إسرائيل بالوزارة. وفي الحالتين كانت أهم نصيحة هي ألا نكرر أقوال وروايات العدو حتى بغرض مناقشتها، لأننا بذلك نروج لها ولمفرداتها ومصطلحاتها دون قصد، خصوصًا أنها تستغل FB في ترديد شائعاتها.
ماذا يشغل الناس
أتذكر أنه عندما كلفني وزير الخارجية عمرو موسى بتولي إدارة إسرائيل سنة 1994، لاحظت أن الزملاء – من كثرة ما كانوا يقرؤون وثائق ومعلومات وصحفًا إسرائيلية – صاروا يستخدمون بعض المصطلحات والأدبيات التي تستخدمها إسرائيل، مثل تسمية حرب أكتوبر "حرب يوم كيبور"، أو تسمية الضفة الغربية وغزة بأسماء عبرية مثل "يهوذا والسامرة". وبدأنا نتنبه لصياغة ما يصدر عنا من تقارير، غير متأثرين بلغة الخصوم.
كذلك لاحظت أن غالبية من يعملون بالشأن الإسرائيلي أو يتابعونه، حتى في الإعلام، لم يطلعوا على معاهدة السلام، رغم أن نصها متوفر بالمواقع الإلكترونية. ووجدت لاحقًا أن البعض صار ينسب للمعاهدة ما ليس فيها؛ مثلما ادعى أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية – في برنامج للتليفزيون بعد ثورة يناير 2011 – أن المعاهدة "تنص" على أن مصر لا تستطيع تصدير بترولها دون استئذان إسرائيل. واتصل بي مقدم البرنامج، وأكدت على الهواء أن معاهدة السلام ليس فيها كلمة بترول أصلًا، وأن مصر تبيع البترول عمومًا بالمزاد، ولإسرائيل بموجب اتفاق واضح وصريح ومنشور ويحقق مصالح الطرفين. وتبيّن لاحقًا أن كل ما أشيع حول هذا الاتفاق لم يكن صحيحًا، ولم يطلع الكثيرون على الحقائق التي يتضمنها الاتفاق بين البلدين. ولهذا حرصت على أن أتيح نص معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية 1979 لطلبتي في دبلوم "مهارات التفاوض" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
تذكرت ذلك مؤخرًا، حيث انشغل الرأي العام وصفحات التواصل الاجتماعي بأنباء صفقات الغاز التي تجريها مصر ودول شرق البحر المتوسط، ونجاح الدبلوماسية المصرية في الاتفاق مع اليونان وقبرص على رسم خط حدود المياه الاقتصادية في البحر المتوسط، والتي صاحبتها اكتشافات جديدة معتبرة. ولأن مصر لديها مصنعان من أكبر مصانع إسالة الغاز في المنطقة، فقد أصبح بمقدورها الدخول في هذه الصناعة البتروكيماوية الهامة بإسالة الغاز أيا كان مصدره. بل تبين أن قدرة مصانعنا – في كل من دمياط ورشيد – يمكن أن تستوعب جانبًا إضافيًا من الغاز الذي تنتجه إسرائيل، إذ أن الغاز السائل له قيمة مضافة تصب في جانب الأرباح المصرية.
وتلا ذلك اتفاق بين إسرائيل واليونان وقبرص على إنشاء خط أنابيب لتصدير غاز إسرائيل إلى أوروبا. وإذا كان من حق الرأي العام أن يسأل ويفهم، فمن واجب الجهات المسؤولة أن توضح وتفسر وتجيب عن الأسئلة. وفي هذا لفت نظري اتفاق وزراء الطاقة في مصر وقبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين على تأسيس منظمة إقليمية للغاز مقرها القاهرة. وكان كل من وزيري البترول والطاقة في مصر وإسرائيل قد أعلنا عن باكورة ضخ الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر، وهو تطور هام يخدم مصالح البلدين، ويتيح نقل كميات من الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى أوروبا عبر مصانع الغاز المسال المصرية، بما يدعم دور مصر المتنامي كمركز إقليمي للغاز والطاقة.
ماذا يطمئن الناس
مرّ على برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الحالي سنوات كافية للحكم عليه، منذ بدأ في نوفمبر 2016. وقد تبنت مصر تجارب متتابعة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، نجح أغلبها في الوصول إلى غاياته الإجمالية، وتفاوتت درجات النجاح بقدر وصول نتائج الإصلاح إلى أغلب طبقات الشعب. ذلك أن الإصلاح وأدواته وسياساته هي في النهاية اختيارات سياسية تنجح في تحقيق أهدافها النهائية بقدر بلوغها بيوت وجيوب الغالبية. ويتوقف ذلك على نجاح الحكومات في تسويق سياساتها للرأي العام، الذي تُعد مساندته للإصلاح وثقته في مفرداته من أهم عناصر النجاح.
وتكمن الصعوبة ـ كما رصدها تقرير التنمية لعام 2009 الصادر عن البنك الدولي، وناقشناه مع خبراء البنك في لقاء بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES) ـ في أن الاستثمار في تنمية المناطق الأكثر غنى ينتج عوائد أفضل من الاستثمار في المناطق الفقيرة. وفي هذا يضرب التقرير المثل بزيادة ألف دولار في دخل الفرد في نيويورك، فالأغلب أنه سيدخر معظمها لأنه مكتفٍ بدخله أصلًا، وبهذا تتحول كامل الزيادة إلى مدخرات فاستثمارات مفيدة. بينما زيادة مماثلة في دخل مواطن في المناطق الأقل تقدمًا والأكثر احتياجًا مثل "أوريجون" سيتحول أغلبها إلى الاستهلاك لتغطية الاحتياجات الأساسية، ولن يتبقى منها شيء للادخار والاستثمار.
وفي هذا انتقدنا منطق التقرير لأنه يتجاهل "الأبعاد الاجتماعية للإصلاح الاقتصادي"، وهو أكثر الموضوعات إثارة للجدل بين مصر ومجموعة الدول النامية من جهة، وبين مجموعة الصندوق والبنك ومؤسسات التمويل الدولية من جهة أخرى. فعملية الإصلاح تهدف بالأصل إلى إعادة التوازن لأداء الاقتصاد، والتخلص من الخلل الذي يمثله تفاوت الدخول، وعجز الموازنة، وعجز الميزان التجاري، رغم تحقيق ميزان المدفوعات لفائض في أغلب الأحوال.
القروض والمديونيات
تذبذبت أسعار صرف العملة، وزادت المديونية الخارجية، وصارت حديث الساعة رغم تأكيد وزير المالية المصري أن الناتج القومي يزداد أيضًا ولكن بنسبة أكبر من زيادة المديونية، بما يجعل نسبة الديون إلى الناتج القومي تتراجع. وفي هذا لا يلتفت القلقون إلى أنه لا توجد دولة ـ كبيرة أو صغيرة ـ إلا وتقترض.
وقد وافاني مشكورًا الصديق الدكتور أحمد فؤاد الضبع، الخبير الاقتصادي المصري الذي يعمل في صندوق النقد العربي بالكويت، بقائمة مديونيات الدول حاليًا. ومنها يتضح أن أكبر دول العالم اقتراضًا هي أكبرها اقتصادًا: الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أيضًا الأعلى في نسبة اقتراضها إلى ناتجها القومي. وتبلغ مديونيتها 36 تريليون دولار، تمثل 120% من ناتجها القومي، يتحمل كل فرد أمريكي منها 60,526 دولارًا.
وتابعنا اقتراب الحكومة الأمريكية من إعلان إفلاسها فأغلقت العديد من مؤسساتها، لولا سماح الكونغرس للحكومة بمواصلة الاقتراض. وتليها في حجم المديونية بالترتيب كل من المملكة المتحدة وفرنسا، فألمانيا واليابان.
واللافت أن أول دولة عربية في حجم الاقتراض بجدول المقترضين هي الإمارات العربية المتحدة، وترتيبها العالمي رقم 33، تليها المملكة العربية السعودية وترتيبها 34، ثم قطر في المركز 42. أما مصر فتأتي في المركز العالمي 59 بمديونية خارجية قدرها 160 مليار دولار، وديون داخلية 8 تريليونات جنيه مصري، بمجموع خارجي وداخلي 320 مليار دولار بنسبة حوالي 80% من الناتج القومي البالغ حاليًا 400 مليار دولار.
نجاحات العلاقات الخارجية
عايش متابعو السياسة الخارجية المصرية الطفرة التي تحققت مؤخرًا في علاقاتنا الخارجية، خاصة على مستوى دبلوماسية الرئاسة التي افتقدناها في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس محمد حسني مبارك ـ الذي أكن له أطيب المشاعر الشخصية ـ وذلك نتيجة محاولة الاعتداء عليه في أديس أبابا من إخوان مسلمين بالسودان.
فأعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي استخدام هذا السلاح القوي في علاقاتنا الخارجية، فجال الأرض من أقصى الشرق في طوكيو إلى أقصى الغرب في باريس مشاركًا في ثلاث مناسبات عالمية خلال نحو أربعين يومًا. وذهب إلى الشمال ليخاطب الأمم المتحدة في نيويورك، وارتد نحو الجنوب في أفريقيا ليزور بلدانًا منها غينيا الاستوائية، التي عملت فيها كسفير "غير مقيم" نظرًا لتعذر الإقامة. فإذا به يطلب من "المقاولين العرب" بناء سفارة لمصر في عاصمتها "ملابو" وصار لنا فيها سفير مقيم.
وكانت أولى زيارات الرئيس للخارج إلى الجزائر ليطمئن على صحة الرئيس الجزائري. ومن هنا نشطت الدبلوماسية المصرية لتشهد مؤخرًا وتشارك في فترة قصيرة نسبيًا عدة مؤتمرات ولقاءات عالمية جمعت العشرات من الملوك ورؤساء الدول والحكومات، من أهمها:
- مؤتمر السلام في شرم الشيخ، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الذي تم استيعابه بكفاءة واضحة.
- احتفالية افتتاح المتحف المصري الكبير، التي شهدت أكبر مظاهرة سياحية فنية غير مسبوقة، شارك فيها ملوك وقادة عدد كبير من الدول الصديقة، صاحبتها دعاية واسعة لمصر وتاريخها وفنونها.
- قمة مصر–أوروبا، التي سجلت أول سابقة لعقد قمة أوروبية مع شريك من خارج القارة، وجلس رئيس مصر في قاعة جمعته بسبعة وعشرين رئيس دولة قرروا جميعًا رفع مستوى العلاقات إلى المستوى الاستراتيجي الرئاسي.
ونرصد بارتياح أن القاهرة صارت من أكثر عواصم العالم استضافة للسفارات، وصارت مصر من أكثر الوجوه قبولًا في القارة الأفريقية والعالمين العربي والإسلامي ومجموعة عدم الانحياز. وكنا الدولة الوحيدة التي ارتقت إدارة علاقاتها بالاتحاد الأوروبي إلى المستوى الرئاسي.
وقد عادت مؤخرًا إلى قواعدها سالمة غانمة بالقاهرة الوزيرة والصديقة العزيزة الدكتورة غادة والي، بعد أن أنهت مهمتها كمساعد للأمين العام للأمم المتحدة في فيينا/النمسا. فكتبت ترصد الأنشطة والنجاحات التي شاهدتها عند عودتها، فقالت:
- أنا ابنة المدينة الصاخبة الحية الحقيقية، في القاهرة منذ أسبوعين مرا ـ كباقي عمرنا ـ كأنهما يومان، فيهما أحداث تملأ أعوامًا.
- أكثر ما أسعدني هو الزخم الثقافي غير المسبوق، وحالة الحراك وزحمة الفعاليات والحفلات والاحتفاليات، فكأن افتتاح جوهرة المتاحف "متحفنا الكبير" (The GEM) أطلق شرارة أو شلالًا من الأنشطة الثقافية والفنية.
ثم أوردت قائمة الفعاليات الثقافية والفنية، وقد تم تنسيقها وتصحيحها لغويًا مع الحفاظ الكامل على مضمونها كما وردت.
وفي خاتمة النص، جاءت تعليقات الكاتب، وتم كذلك تدقيقها دون أي تغيير في المعنى، مع تحسين الصياغة وعلامات الترقيم:
- لا يزال بعضنا يغار إذا غنى أحد فنانينا في عاصمة عربية أخرى، متجاهلًا الكسب الثقافي والإعلامي الكبير.
- لنا أن نفخر بأن بلدنا استضاف أو شارك في عدة مظاهرات رئاسية وملكية جمعت تحت سمائنا عددًا كبيرًا ونادرًا من الملوك والرؤساء.
- شارك رئيس مصر في قمة أوروبية عقدها الأوروبيون ـ لأول مرة ـ على المستوى الرئاسي مع طرف غير أوروبي.
- نحتاج لتنبيه الكثيرين إلى أن القاهرة صارت من أكثر عواصم العالم استضافة للبعثات الأجنبية، ويدل ذلك على وزن مصر المتزايد في السياسة العالمية، كما يمثل مصدرًا مهمًا لإيرادات دولارية تدخل خزينة الدولة.
بعض القلق قد يفيد
لستُ من أنصار مقولة: "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وأفضل أن أكون من فئة الطموحين الساعين لأن تتفوق مصر على نفسها يومًا بعد يوم.
فبالرغم من مظاهر الخير التي رصدناها على لسان الدكتورة غادة والي، فما زالت مصر تعاني من بعض السلبيات التي نلخص أهمها فيما يلي:
- غياب عدالة توزيع الدخل. وقد عانى اقتصادنا من ذلك، أو من بعضه، في أزمنة وظروف مختلفة منذ عهد محمد علي باشا، الذي واجه قرب نهايته عجزًا في الميزانية بلغ 14 مليون قرش صاغ.
- وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر بلغت مديونية مصر للولايات المتحدة سنة 1969 حوالي 290 مليون دولار. وأشار عليه صديقه الاقتصادي والمصرفي الأمريكي "ديفيد روكفلر" بأن يطلب جدولة الدين مع تقديم دفعة مقدمة قدرها 30 مليون دولار، لم تكن متوفرة في مصر وقتها، فاقترضنا المبلغ من دولة شقيقة.
- وتكرر الموقف في عقد الثمانينيات عندما تعثرت قدرات مصر عن سداد أقساط مديونيتها، فلجأت إلى صندوق النقد الدولي، الذي دعا الدائنين إلى اجتماع نادي باريس. وتوصلت مصر إلى أفضل صفقة لتخفيف المديونية، شملت شطب نصف الديون؛ فهبطت من 52 مليار دولار إلى 26 مليار، وانخفضت الفوائد من رقمين عشريين إلى رقم واحد، وحصلت مصر على فترة سماح 7 سنوات، ومد فترة السداد إلى 30 سنة. وتنازلت الولايات المتحدة عن جانب من مديونياتها، وتنازلت الدول العربية عن 11 مليار دولار، وعبّأ الصندوق مبلغ 800 مليون دولار لمساندة اقتصاد مصر إذا لزم الأمر، ولم تحتج مصر وقتها إلى استخدام القرض.
- تبنت حكومة الدكتور عاطف صدقي برنامج الإصلاح بمشورة الصندوق، ويشمل خفض عجز الموازنة، وإقرار سعر صرف "واقعي" للجنيه المصري. وسجل البرنامج نجاحًا ملموسًا في حينه. بينما بدأ البرنامج يتعثر في عهد حكومة الدكتور عاطف عبيد (رحمهما الله). فرغم حملهما الاسم نفسه وتبنيهما السياسة ذاتها، فإن "عاطف 2" لم يحقق نجاح "عاطف 1" حتى مع امتلاكه الإمكانيات والأدوات نفسها.
- ومن المصادفة أننا عاصرنا تجربة شبيهة في ألمانيا سنة 1982 عندما نجح "هيلموت كول" فيما لم يقدر على تحقيقه "هيلموت شميت". وبذلك نجح "هيلموت 2" فيما لم يحققه "هيلموت 1"، فتخلص من عجز الموازنة وحقق فائضًا قياسيًا في نحو سنتين من الإصلاح بفضل سياسة وزير الاقتصاد في حكومتي الطرفين "كونت أوتوجراف لامبسدورف". وفقد "هيلموت شميت" منصب المستشار لحساب "هيلموت كول" في سابقة نادرة من دون انتخابات، وبتكليف مباشر من "البوندستاج" الألماني (البرلمان).
- كان أمام مصر لمواجهة الأزمة الاقتصادية للعقد الثاني من الألفية الثالثة واحد من "سيناريوهين". ظل أولهما محل تفضيل عدد من كبار الاقتصاديين المصريين، يتقدمهم أحد أفضلهم الدكتور أحمد جلال، الذي أعلن ـ وهو وزير للمالية ـ تفضيله لتبني عملية إصلاح لا تخضع "لمشورة" صندوق النقد الدولي، بسبب تراجع شعبيته. بينما كان السيناريو الثاني يقوم على برنامج إصلاح يستفيد بثلاث مزايا دافعة لضمان النجاح:
- مساندة خبراء الصندوق للحكومة بالمشورة وفقًا لتجاربهم في دول أخرى.
- مساندة الصندوق لمصر بقرض ميسّر يبلغ 12 مليار دولار.
- تقارير متابعة تؤكد نجاح الأداء الاقتصادي، وهو ما يجذب المستثمرين.
واختارت مصر لاحقًا السيناريو الثاني ورسمت برنامجها معتمدة على سلسلة من السياسات المالية (تتولاها وزارة المالية) وتتضمن خفض عجز الموازنة بضغط الإنفاق وتنظيم الأجور والتوظف، وتحسين النظم الضريبية، وخفض الدعم، وتحفيز الصادرات وإدارة الواردات. كما تبنى البرنامج سياسات نقدية يديرها البنك المركزي حول الإقراض وأسعار الفائدة والاحتياطيات النقدية والقانونية، ويتصدرها قرار شجاع بالاعتراف بسعر صرف واقعي للجنيه المصري. وهو قرار سبق اتخاذ مثله من قبل، لكنه نُفّذ هذه المرة بثمن باهظ نتيجة التأخر في اتخاذ القرار؛ فتفاقم سعر الدولار بعد أن فقد الاحتياطي النقدي 13 مليار دولار نتيجة المضاربة على سعر غير واقعي للجنيه. وكان أمام صانع القرار تجربة الأزمة الآسيوية عام 1997، التي أدت إلى إفلاس بعض "النمور" يوم تجاهلت السعر العادل لعملاتها.
أدت سياسات الإصلاح إلى توازن أوضاع الاقتصاد المصري، بتراجع عجز الموازنة، وانخفاض عجز الميزان التجاري، وتحقيق فائض في المعاملات التجارية مع كل من المنطقتين العربية والأفريقية، وتكوين فائض نقدي تخطى مؤخرًا 50 مليار دولار، وتراجعت نسبة الدين العام إلى الناتج القومي، واستقر سعر الصرف مؤخرًا عند مستوى توازني يدور حول أقل من 50 جنيهًا. وقفزت تحويلات المصريين من الخارج إلى أكثر من 30 مليار دولار نتيجة لسعر الصرف العادل.
وهنا أذكّر نفسي والمنزعجين من ارتفاع سعر الدولار بأنني بدأت العمل في البرازيل سنة 1972 وكان سعر الدولار خمسة "كرويزيرو"، وغادرت البلاد سنة 1976 والسعر 14 كرويزيرو. فلما سألت عن السعر سنة 1985 وجدته قد قفز إلى 160 ألفًا. وزرت لبنان سنة 1970 عندما كان الدولار يساوي 2.5 ليرة ليصبح لاحقًا 1500 ليرة، وتجاوز حاليًا 140,000 ليرة. أما ثاني أكبر قوة في العالم ـ روسيا ـ فقد تعاملنا في الستينيات مع "الروبل" وهو يساوي أكثر أو أقل قليلًا من الدولار، فإذا به يصل إلى 36 روبل للدولار، وقفز إلى نحو 80 روبل وقت انخفاض أسعار البترول. أما أقوى عملات الدنيا ـ الدولار ـ فكانت 35 دولارًا تكفي لشراء أوقية من الذهب حتى سنة 1974، ويتخطى سعر أوقية الذهب الآن 4,100 دولار.
لم يعد التحدي الأهم للاقتصاد يختصر في مجرد سعر الصرف والاحتياطي النقدي وعجز الموازنة، وإنما يكمن التحدي ـ والفرص أيضًا ـ في الإجابة على ثلاثة أسئلة:
- هل أصبح اقتصادنا منافسًا ويستطيع التصدير وفتح الأسواق؟
- هل تستطيع سياساتنا جذب مزيد من الاستثمارات والتشغيل؟
- وهل يؤدي ذلك كله إلى توفير وظائف لمواجهة الزيادة السكانية التي بلغت في السنوات العشر الأخيرة نحو 27 مليون مصري (ضعف تعداد اليونان)؟
فإذا أحسنا الإجابة، نكون قد وفرنا فرص النجاح. ونرصد هدفين تسعى لهما السياسة المصرية وتوظف لتحقيقهما دبلوماسيتها العريقة والنشطة:
الأول: أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا لجذب الاستثمارات والإنتاج ومضاعفة الصادرات، ولتداول طاقة الغاز والبترول والكهرباء في إطار مشروع الربط الكهربائي العربي والأفريقي. حيث يجري حاليًا ربط الشبكات الكهربائية العربية من بغداد شرقًا حتى الدار البيضاء غربًا، وشمالًا حتى سوريا وتركيا لتوصيل الشبكة إلى أوروبا شرقًا عن طريق تركيا/رومانيا/اليونان، وغربًا عن طريق المغرب/إسبانيا. ويجري الربط جنوبًا مع السودان وإثيوبيا (سد النهضة لاحقًا) والكونغو وتنزانيا. وقد ساند الجانب الأوروبي هذا التوجه وأبدى إعجابه بالخطة والرؤية المصرية في اجتماع اللجنة المشتركة للطاقة، الذي شرفت برئاسة الجانب المصري فيه عام 2014.
الهدف الثاني: أن تصبح مصر شريكًا رئيسيًا لإسرائيل في الطاقة بأشكالها المختلفة، وتكوين مجموعة من المصالح في التعامل مع مصر، لخلق شعور بأن التعامل سلميًا مع مصر (والعرب) يمكن أن يحقق مصالح أفضل مما يحققه العدوان على الآخرين واحتلال أراضيهم. ويعد ذلك في الأجل الطويل رادعًا لأي أفكار معادية لدى الجارة التي لا بد من التعامل معها دون رهبة أو خوف.
وبهذا يكون لدينا "كشف حساب" وميزانية للمكاسب والتكلفة والأرباح والخسائر، ليصب كل ذلك في غرس قيم التفاؤل والثقة في أننا على الدرب الصحيح، ونطمح إلى المزيد لأن لدينا واجبًا كبيرًا تجاه أعظم بلد وشعب كريم، ينبغي أن ينتج أكثر مما ينجب ليظل يقود منطقته وشعوبها الشقيقة نحو الخير والتقدم والسلام.
- غزة
- التواصل الاجتماعي
- الحكومة
- مصر
- الصناعة
- الطاقة
- وزارة الخارجية
- جذب الاستثمارات
- السودان
- النمسا
- التضخم
- الدولار
- صندوق النقد
- الاستثمار
- جذب الاستثمار
- شرق البحر المتوسط
- سعر الصرف
- ميزان المدفوعات
- سعر الدولار
- الاستثمارات
- الكونغو
- المملكة المتحدة
- عمرو موسى
- البحر المتوسط
- وسائل التواصل الاجتماعي
- دونالد ترامب
- الاقتصاد
- ترامب
- دور مصر
- الدكتور عبد المنعم سعيد
- السلك الدبلوماسي
- معاهدة السلام
- جمال عبد الناصر
- البترول
- الغاز المسال
- ارتفاع سعر الدولار
- عبد المنعم سعيد
- الإذاعة والتليفزيون
- الغاز والبترول
- عجز الموازنه
- الاحتياطي النقدي