كان الأستاذ الدكتور صابر عرب – رحمه الله – علامةً فارقة في تاريخ جامعة الأزهر، وكلية اللغة العربية بالقاهرة، ورجل دولة من طراز نادر، جمع بين صلابة العالم، ورحابة المثقف، ونُبل الإنسان.
جاء من أعماق الريف المصري، من محافظة كفر الشيخ، محمَّلًا بقيم أصيلة، وأخلاق رفيعة، ثم حطّ رحاله في القاهرة، عاصمة الأصالة والحداثة، فأتقن العيش بين العالمين، وامتلك مفاتيح الاثنين معًا؛ كان تراثيًّا إلى أقصى مداه، وحداثيًّا مستنيرًا إلى أبعد ما يبلغه الخيال، دون أن يفقد توازنه أو يساوم على ثوابته.
عاش حياته أستاذًا للجامعة بحق، تتجلى فيه المهابة والوقار، جامعًا بين جمال الهيئة وجلال الروح والوجدان، يجلّله ثوب التواضع، ويحيط به خُلُق الحياء، فلا يعلو بعلمه، ولا يتعالى بمنصبه.
تقلّد منصب الوزارة أكثر من مرة، فدخلها كما يليق بالكبار، وخرج منها كما دخلها: نقيّ السريرة، ثابت الخلق، لم تغيّره المناصب، ولم تُبدّل جوهره، وظل كما عرفناه إنسانًا قبل أن يكون مسؤولًا، وعالمًا قبل أن يكون وزيرًا.
وظل – رحمه الله – حريصًا على عطائه العلمي، مواظبًا على رسالته الأكاديمية، لا ينقطع عن طلابه وباحثيه، ولا يفتر عطاؤه حتى آخر أنفاسه، فتعلمنا منه المعنى الحقيقي لأستاذ الجامعة: علمًا يُثمر، وخُلُقًا يُحتذى، وقدوةً تُلهم.
وكان الأستاذ الدكتور صابر عرب نجمًا مضيئًا في سماء الثقافة المصرية، ومؤرخًا فريدًا بين مؤرخي العربية، وشمسًا ساطعة في سماوات الأزهر الشريف، استضاء بنور علمه وفكره وثقافته أجيالٌ متعاقبة في مصر، وفي عالمنا العربي كله، فكان أثره ممتدًا، وذكره باقيًا، وعطاؤه شاهدًا له لا عليه.
وعلى الرغم مما بلغه من شهرة علمية ومكانة اجتماعية مرموقة، لم ينسَ يومًا أهله الأقربين، ولا أبناء قريته؛ فكان – رغم أعباء عمله – يصلهم، ويزورهم، ويقضي حوائجهم، وظل بيته في القاهرة مفتوحًا لكل وافد وقادم، يجد فيه كرم النفس قبل كرم المائدة، ودفءَ الاستقبال قبل حرارة اللقاء.
لقد ترجل أستاذنا وعالمنا الجليل عن صهوة جواد الحياة، بعد أن خلّف آثارًا من الخير، وعطاءً لا ينضب من صنائع المعروف، ليرتقي إلى ربٍّ كريم، وهو أحوج ما يكون إلى رحمته، وأجدر ما يكون بمغفرته.
نسأل الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن علمه وعمله خير الجزاء، وأن يُلهمنا، وأهله، وذويه، ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيرًا منها.
