أتساءل ماذا لو كانت التقنية الحديثة التي بين أيدينا اليوم قد سجلت كل ماحدث بدنشواي. كيف سيكون تأثير ذلك على الرأي العام سواء داخل مصر أو خارجها. بالتأكيد ستكون دنشواي هي حديث العالم بأسره ومع ذلك فقد كانت دنشواي بالفعل حديث العالم بأسره. كيف حدث هذا؟!
كيف غدت دنشواي رأياً عاماً محلياً ودولياً وما الذي قام بدور التقنية الحديثة من أجل أن يصل آنين المقهورين تحت نير محاكمة جائرة إلى العالم؟!
لقد كانت الكلمة. نعم لقد كانت الكلمة هي بديل التقنية، ولا أظن أبداً أن هناك وسيلة أخرى كان يمكن أن تفوق الكلمة وذلك لرصاننها وعمقها وثقل أصحابها.
لنرى ما الذي حدث ..
مصطفى كامل ..!
لعب مصطفى كامل دوراً محورياً في حادثة دنشواي، فقد استطاع هذا الشاب أن يصنع منها رأياً عاماً تصدعت من تأثيره أرجاء المجتمع الأوروبي بأكمله وبخاصة المجتمع البريطاني الذي فرض حماية ظالمة على مصر من طرف واحد بالمخالفة للأعراف الدولية.
استطاع مصطفى كامل توظيف حادثة ندشواي لفضح ما جرى، وقد أضحت كلماته مطرقة تنصب بلا هوادة فوق رأس الإحتلال البريطاني.
كتب مقالات نارية في الصحف الأوروبية (خاصة في جريدة "الفيجارو" الفرنسية) تحت عنوان "إلى الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن" أشعل فيها الرأي العام ضد الممارسات الإجرامية التي وقعت في دنشواي
استخدم أيضاً جريدة "اللواء" -١- كمنبر لفضح جرائم الاحتلال وتعبئة الجماهير، وكانت قضية دنشواي أبرز معاركها الصحفية حيث طالب بإصدار عفو عن باقي المتهمين.
برناردشو ..!
كان من سوء حظ واضعي "البروجرام" بتعبير الأستاذ صلاح عيسى في كتابه" حكايات من دفتر الوطن" أن أحد المحكوم عليهم بالجلد وهو سيد سليمان قد أُعفى من تنفيذ العقوبة بسبب نوبة صرع تمكنت منه واستبدت به فوصف الكاتب البريطاني الشهير برناردشو هذا الحدث بالقول ساخراً:
"عانى المشاهدون القرويين والضباط ورجال الفرسان البريطانيين، من بعض الملل إبان الفترة التي كان فيها جسد محمد درويش زهران يتأرجح ويلف حول نفسه إذ لم يكن هناك مجلود يتأوه خلال تلك الفترة وهو خطأ وقعت فيه المحكمة التي نسيت أن تصدر بعض أحكام الجلد الاحتياطية لمواجهة مثل هذه الطوارئ!"
العقاد ..!
يقول الأستاذ عباس العقاد: "كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في أسوان، فأغمى على واحد منا ... ولم نستطع إتمام القراءة، إلا بصوت متهدج تخنقه العبرات"
حافظ إبراهيم ..!
يقول في قصيدته دنشواي:
:أيها المُدعي العمومي مهلاً .. بَعضَ هذا فقد بلغت المُرادا.
قد ضمنا لك القضاءَ بمصر .. وضمنَّا لنجلك إلا سعادا.
فإذا ما جلست للحُكم فاذكر .. عهد مصر فقد شَفيتَ الفؤادا.
الثمن ..!
لم يترك التاريخ كل من شارك في تلك المأساة دون ثمن.
أحمد فتحي زغلول ..!
كان من دواعي الأسف أن يكون هذا القاضي البارع شقيق زعيم الأمة سعد باشا زغلول هو الذي حرر أسباب الحكم بخط يده.
وحدث أنه في عام ١٩٠٧ رقي إلى درجة وكيل وزارة الحقانية وأقام له بعض الموظفين حفل تكريم بفندق شيبرد وفي الموعد المحدد لبدء الحفل إذ بأمير الشعراء أحمد شوقي بك يحضر ومعه مظروف تركه وبفضه من قبل مشرفي الحفل إذ به يحمل قصيدة من بين أبياتها:
وإذا جمعتم أمركم وهممتم .. بتقديم شيء للوكيل ثمين.
خذوا حبل مشنوق بغير جريرة: وسروال مجلود وقيد سجين.
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه .. من الشعر حُكْمٌ خطه بيمين.
ولا تقرأوه في شيبرد بل اقرأوه .. على ملأ في دنشواي حزين.
الهلباوي ..!
في ٢٨ يونيو ١٩٠٧ كتب "عبد العزيز جاويش" على صفحات جريدة اللواء مقالاً بعنوان"ذكرى دنشواي" بمناسبة مرور ثلاث سنوات على الفاجعة قال فيه: " سلام على أولئك الذين وقف الهلباوي بك فثار فيهم ثوران الجبارين، ثم أثنى على رقابهم فقضمها، وعلى أجسامهم فمزقها، وعلى دمائهم فأرسلها تجري في الأرض، تلعن الظالمين وتتوعد الآثمين "
لم يستطع الهلباوي أن ينجو من دنشواي رغم محاولاته العديد لتجميل نفسه بتصدره للدفاع عن المتهمين في القضايا السياسية( الدفاع عن إبراهيم الورداني في قضية مقتل بطرس غالي باشا) -٢-
) الدفاع عن شفيق منصور في قضية قتل السردار لي ستاك Lee Stack
قائد الجيش المصري وحاكم السودان.
عام ١٩٢٤) وغيرها من القضايا.
عام ١٩٣٠ يُفلس تماماً ويحجز على أراضيه وأملاكه ولا يجد منزلاً يسكنه لدرجة أن الدموع تترقرق في عينيه وهو يترافع في قضية ملكيته لمنزله ويخاطب المحكمة بقوله: " جئت بنفسي إلى المحكمة لأنني أعترف أنني إذا انهزمت في كل مكان، فإنني أنتصر دائماً في المحكمة وإذا لم تبق لي دار، فإنني باقٍ في دار العدالة لأنني ساهمت فيها أكثر من أي إنسان"
عام ١٩٤٠ يموت الهلباوي وهو ينشد الغفران من الشعب والتاريخ دون جدوى.
وحقاً ما قاله حافظ إبراهيم في هذا:
انت جلادنا فلا تنس أنا .. قد لبسنا على يديك الحداد.
بطرس غالي باشا ..!
ظلت رئاسته لمحكمة دنشواي تطار تاريخه حتى قتل على يد طالب الصيدلة إبراهيم الورداني على سلم وزارة الحقانية أثناء توديع عبد الخالق ثروث باشا النائب العمومي له.
اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني وأحد أهم رجال الانتداب تم عزله من منصبه تحت ضغط الرأي العام سواء في مصر أم في خارجها.
بقى أن نذكر هنا بمزيد من الشرف أن فريق الدفاع الذي وقف إلى جانب الحق في دنشواي كان مكون من:
أحمد لطفي السيد بك.
إسماعيل عاصم بك.
والأخوان محمد يوسف بك وعثمان يوسف بك.
تُطوى الصفحات دائماً سواء أكانت تحمل نصراً أو هزيمة.. فرحاً أو مأساة. لكن صفحة دنشواي تظل باقية لأنها حملت دماءً لم تجف وأنين ظهر لم يهدأ بعد ولعنة تطارد من صنع مأساتها إلى أبد الدهر وتلك عبرة التاريخ.
-١-جريدة اللواء هي صحيفة مصرية أسسها مصطفى كامل في ٢ يناير ١٩٠٠. كانت اللواء لسان حال الحزب الوطني، وتهتم بالقضايا الوطنية والمصرية، وكانت من أبرز الصحف التي ناهضت الاحتلال البريطاني في مصر.
-٢- في ٢٨ يونيو ١٩٠٦ حكم على إبراهيم الورداني بالإعدام شنقاً وتم تنفيذ الحكم وقد ترافع في القضية النائب العمومي عبد الخالق ثروت باشا.