ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

القضاء ينتصر للحياة.. حكم تاريخي ينهي خصومة ثأرية ويحقن الدماء في الجيزة (صور)

لحظات الصلح
لحظات الصلح

لم تكن الجلسة المنعقدة داخل قاعة الدائرة 20 بمحكمة جنايات الجيزة مجرد نظر قضية قتل وشروع في قتل، بل كانت لحظة فاصلة أنهت واحدة من أخطر دوائر الثأر التي هددت أمن واستقرار قرية العزيزية التابعة لمركز البدرشين، وكادت تمتد لسنوات طويلة من الدم والانتقام، قبل أن يتدخل القضاء ليضع حدًا نهائيًا لها.

قضية اتخذت أبعادًا جنائية واجتماعية شديدة التعقيد، كشفت كيف يمكن للعدالة أن تؤدي دورها الكامل، لا بالعقوبة وحدها، وإنما بإنهاء الخصومات وحقن الدماء وصون الأرواح.

بداية القصة.. مشاجرة أطفال تتحول إلى مأساة

تعود جذور الواقعة إلى مشاجرة بسيطة بين عدد من الأطفال داخل القرية، سرعان ما تطورت إلى اشتباك عنيف بين أسر كانت تجمعها علاقات طيبة، قبل أن تنقلب إلى جريمة قتل.

وخلال الواقعة، حاول والد أحد الأطفال الاعتداء على أحمد وفدي مستخدمًا سلاحًا ناريًا، إلا أن السلاح تعطّل، فاستعان بسلاح أبيض، ليتمكن أحمد وفدي من انتزاعه وطعن المعتدي دفاعًا عن نفسه، ما أسفر عن وفاته.

وعلى إثر ذلك، قضت المحكمة في حينه بمعاقبة أحمد وفدي بالسجن سبع سنوات بتهمة الضرب المفضي إلى الموت، قضى منها أقل من أربع سنوات قبل الإفراج عنه.

عودة الثأر.. كمين مسلح ومحاولة قتل

لم تُغلق هذه الواقعة صفحة الدم، فبعد الإفراج عن أحمد وفدي، تحرك شقيق القتيل، سعيد عربي سليمان عبد الحميد، مدفوعًا برغبة الثأر، وبمشاركة اثنين من أقاربه هما سليمان خالد عربي سليمان وأحمد أحمد عربي سليمان، إلى جانب صديقهم أحمد عبد الغني عبد الحفيظ.

وراقب المتهمون تحركات أحمد وفدي، وتتبعوه بدراجات نارية، ونصبوا له كمينًا مسلحًا داخل القرية، مطلقين أعيرة نارية بقصد قتله، إلا أن الطلقات أخطأته.

وخلال محاولته الهروب، انحنى أحمد وفدي داخل سيارته مسرعًا، فاصطدم بأحد المهاجمين، أحمد عبد الغني، الذي لقي مصرعه في الحال.

قضية شائكة وحكم كان كفيلًا بإشعال الدم

أحالت النيابة العامة المتهمين الثلاثة الأوائل بتهمة الشروع في قتل أحمد وفدي، كما أُحيل أحمد وفدي نفسه بتهمة الضرب المفضي إلى موت.

وأمام المحكمة، كانت التوقعات تشير إلى أحكام مشددة قد تصل إلى 15 عامًا بحق المتهمين في واقعة الشروع في القتل، مع احتمال براءة أحمد وفدي لثبوت حالة الدفاع الشرعي، وهي نتيجة – حال صدورها دون معالجة اجتماعية – كانت كفيلة بإشعال ثأر جديد داخل القرية.

حين تجاوز القضاء النص إلى حماية المجتمع

في هذه اللحظة الحرجة، لم تكتفِ المحكمة بتطبيق النص القانوني، بل استشعرت خطورة المشهد، وأدركت أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بإنهاء الخصومة الثأرية من جذورها.

وبقراءة متعمقة لأوراق القضية وما تحمله من أبعاد إنسانية، أسدت المحكمة النصح للأطراف بضرورة حقن الدماء وفتح باب الصلح وفق العرف السائد، وهو ما لاقى قبولًا من المتهم الأول سعيد عربي سليمان، مشترطًا تقديم الكفن، وإقامة وليمة عامة، وتوثيق الصلح رسميًا.

وأبدى أحمد وفدي موافقته الكاملة على جميع الشروط.

الأمن شريك في الحل

وبمبادرة من المحكمة، جرى التنسيق مع قيادات مديرية أمن الجيزة، وعلى رأسهم اللواء سامح القللي نائب مدير الأمن، واللواء إيهاب عبد الرحمن مساعد مدير الأمن، واللواء وفيق طولان مساعد مدير الأمن، الذين أكدوا جاهزية أجهزة الأمن لتأمين مراسم الصلح وضمان تنفيذها.

كما لعب محامو الطرفين، الأستاذ جمعة حرب والأستاذ أحمد عيسى، دورًا محوريًا في إنجاح الصلح، بالتنسيق مع عدد من أعضاء مجلس النواب، حتى تم التوصل إلى اتفاق نهائي، مع اشتراط المحكمة عدم خروج أي متهم من محبسه إلا بعد إتمام الصلح بالكامل.

الصلح ثم الحكم

وبالفعل، جرى الصلح رسميًا في 6 ديسمبر 2025، حيث قُدم الكفن وفق العرف، وأُقيمت مراسم الصلح بحضور الأهالي، وتم توثيقها بعقود رسمية وتسجيلات مرئية أُعلن عنها.

وفي جلسة 7 ديسمبر 2025، أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها ببراءة أحمد وفدي زكي حسن لثبوت حالة الدفاع الشرعي، كما قضت بمعاقبة سليمان خالد وأحمد عربي، وسعيد عربي بالحبس سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.

رسالة القضاء

نظرت القضية الدائرة 20 جنايات الجيزة برئاسة المستشار أحمد عزيز الفقي، وعضوية المستشارين ضاحي عبد الحميد، إيهاب هيكل، ناصر الجبالي، وبحضور وكيل النيابة جرجس جمال، وأمانة سر محمود متولي.

وقدمت هذه القضية نموذجًا حيًا لمعنى أن القضاء ليس أداة للعقاب فقط، بل قوة قادرة على حماية المجتمع، وإنهاء دوائر الانتقام، وصون الأرواح.

وهكذا، لم يُغلق ملف قضية فحسب، بل أُغلقت صفحة ثأر، وعادت قرية العزيزية إلى الهدوء، في مشهد يؤكد أن القضاء المصري حين ينتصر، فإنه ينتصر للحياة.

تم نسخ الرابط