إن الذي ملأ اللغات محاسنًا
جعل الجمال وسره في الضاد
يُعبر هذا البيت تعبيرًا بليغًا عن مكانة اللغة العربية، ومَكمن عزتها وقوتها وريادتها، وسر ديمومتها وانتشارها واستمرارها عبر القرون والأزمان في طليعة الصفوف وفي مقدمة اللغات.
فمن الثابت والمعلوم علم اليقين أن "لغة الضاد" هي وعاء التفكير السليم والتعبير القويم، وفيها من أسرار الجمال وكمال الفصاحة والبيان ما يظهر واضحًا جليًّا أمام أعين الناظرين، وفيها من الثراء والتنوع والعمق ما يجعلها صالحة لكل وقت وكل حين.
والبون شاسع بين "لغة الضاد" التي تعبر عن الرُّقي والفصاحة والبيان وعن الهوية في تناسق وتناغم بديع، و"لغة العصر الرقمي" التي سادت بين بعض أطياف المجتمع بما تتضمنه من إسفاف وإسقاط، وغلبة الألفاظ السوقية والمصطلحات غير الأخلاقية، بما يتنافي مع التعاليم الدينية والفِطرة السوية.
إن ما نراه في "اللغة السائدة اليوم" -والذي أصبح واقعًا حقيقيًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي- بعيد كل البُعد عن التعبيرات الراقية والألفاظ الجزلة، والعبارات الرائقة، والثقافة الإسلامية والعربية التي تميزت بجمال اللغة ودقة التعبير الممزوج بالحِس المُرهف والعاطفة الجياشة وسلامة التعبير ودقة التصوير، بعيدًا عن الإسفاف والابتذال وسوء الخصال الذي يُعبر عن واقع لُغوي وفكري وحضاري مرير.
وفي عصر التقنيات الاتصالية والانتشار الهائل للمعلومات والأفكار وسهولة التعبير عن الآراء والمشاركة في التعليقات تنتشر بعض "المثالب اللغوية" التي تفت في عضد العربية، وتهوي بها إلى وادٍ سحيق.
فإذا أمعنا النظر في جُل ما يتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي نري عجبًا عُجابا.
لقد أصبحت "اللغة السوقية المبتذلة" والألفاظ الجارحة، والعبارات المسيئة، والإيحاءات الخارجة مَلمحًا من ملامح هذه "اللغة" التي توغلت وتجذرت عبر الفضاءات الرقمية وأصبحت "واقعاً مريرا" يحتاج إلي علاج ناجز واستئصال لهذا المرض الخبيث قبل أن ينتشر بين الأجيال المختلفة، ويُلطخ ثوب العربية القشيب بدماء الابتذال والإسفاف.
إن هذا "الواقع اللغوي الأليم" يحتاج إلى مشرط جَرَّاح ماهر يُعيد للغة هيبتها ولدقة التعبير مكانتها، ولجزالة اللفظ قوتها، ويحتاج إلى جهد جهيد من أرباب العربية لكى تعود "لغة الضاد" لغة سائدة تعبر عن حضارة قائدة وأُمة رائدة.
إن من أوجب الواجبات أن تتضافر جهود المؤسسات والأفراد لاستئصال هذا "الورم الخبيث" الذي انتشر في شوارعنا وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لوضع رؤية شاملة وخطة واضحة، وأفكار بنَّاءة وواعدة ومُبدعة ليعود الجميع إلى "حظيرة العربية الحَقة" التى تعد من أكثر لغات العالم رُقيًا وجزالة وتعبيرًا وتنوعا وجمالاً.
علينا أن نجمع بين "لغتنا الجميلة" و"لغة العصر" دون ابتذال أو إسفاف أو استخفاف، علينا أن نربط الأجيال الرقمية بلغتهم وهويتهم، وتنمية "ذائقتهم اللغوية" عبر "أفكار مُبدعة" بعيدة عن القولبة والنمطية التي أقامت جسرًا حاجزًا بينهم وبين لغتهم، وجعلتهم يبتعدون عنها، وينفرون منها، ويعبرون عن واقعهم بما لا يناسبه من تراكيب ومفردات.
إن لغتنا العربية مصدر رفعتنا وسر تفوقنا، ومناط عزنا وفخرنا إذا وضعناها في مكانتها اللائقة ونثرنا رياحينها في أروقة الزمان والمكان.
علينا أن نبرز مكانة اللغة العربية وخصوصيتها وأسرار تميزها، ونعمق هذا المعني في نفوس الناطقين بها والمعرضين عنها، وإيجاد أساليب متطورة تواكب تطورات العصر دون إخلال بجوهر اللغة وأصالتها لتحقق الريادة التي هي سمة من سماتها منذ أمد بعيد.
علينا أن نصون "لغة القرآن" و "لغة الضاد" ونذب عنها، ونعزز استخدامها بين أبناء هذا الجيل، ونكثف وجودها عبر مواقع الواقع الافتراضي، فهي لغة العلم، ولسان الهوية، وحفظ التراث، وهي لغة الجمال والجلال والكمال التي وهبها الخالق أرق المعاني وأفضل الخِلال والخصال.