مما يميز العربية عن سائر اللغات الشعر العربي الذي يوصف بأنه ديوان العرب، وسجل تاريخهم وملاحمهم يقول عالم البلاغة الأشهر أبو هلال العسكري:" لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارهم، فالشعر ديوان العرب وخزانة حكمتها"
لذلك كان للشاعر العربي- لا سيما في العصر الجاهلي مكانة عزّ نظيرها لغيره؛ ذلك بأنه يمجد قبيلته، ويخلد مآثرها، ويذود عن حياضها.
إن ملاحم العرب وأيامهم في الجاهلية مثل: حرب البسوس، وداحس والغبراء لم نكن لنقف عليها إلا من خلال هؤلاء الشعراء المفلقين من أمثال: المهلهل بن ربيعة، وعنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة اليشكري وغيرهم.
ولقد أولى العرب في الجاهلية الشعر عناية كبيرة؛ ذلك بأنهم كانوا يعقدون له المسابقات، ويضربون قبة للنابغة الذبياني في سوق عكاظ للمفاضلة الدقيقة بين فحول الشعراء؛ مما أنتج لنا أفضل القصائد التي جادت بها قرائح هؤلاء العباقرة، وهو ما يعرف بالمعلقات التي بلغ عددها سبع قصائد أو عشرًا، وهي من أفضل ما قيل في الشعر الجاهلي، وسميت بذلك؛ لأن العرب لما استحسنوها كتبوها بماء الذهب، وعلقوها على أستار الكعبة.
إننا نستطيع القول : إن الشعر كان يكسب القبيلة العربية من القوة والعزة والجاه مالم تسطع أن تظفر به في معارك حامية الوطيس رغم القوة وشدة البأس.
إن للشعر دورا عظيمًا في تفسير الذكر الحكيم، والتفقه في الدين؛ من أجل ذلك عده الإمام الشافعي شرطًا أساسيًا للمفسر والمفتي إذ يقول: (لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به ، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ، ويكون بصيرًا باللغة ، بصيرًا بالشعر).
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب سماع الشعر، فلقد روي أن كعب بن زهير لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائبًا وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها :
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ
أعجب بها النبي عليه أفضل السلام، فعفا عنه، وألبسه بردته، فعرف بشاعر البردة.
ولقد مدح صلى الله عليه وسلم كلامًا قاله الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة العامري، كما عند البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ)
إن الشاعر الصادق ليبلغ بالشعر منزلة عظيمة في الإسلام فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه كان يدافع عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بشعره؛ فبلغ أعلى المنازل، وسامق المراتب، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : (كان حسان يضع له النبي - صلى الله عليه وسلم- منبرًا في المسجد ، يقوم عليه قائمًا ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- ورسول الله يقول : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم )
ولا شك أن تعليم الأطفال الشعر يسهم بدرجة كبيرة في تربيتهم واستقامتهم فلقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن لامية العرب للشنفرى " علـّموا أولادكم لامية العرب ، فأنها تعلمهم مكارم الأخلاق "
وما أصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم:" إنَّ من البيانِ سحرًا ، و إنَّ من الشِّعرِ حِكمةً "
وهكذا ظلّت العربية لغة الشعر والفنون، حاملةً روح الأمة، ووعاءَ قيمها، وجسرًا بين جمال البيان وصدق العقيدة.