في مقالنا اليوم ندعوك لرحلة اخري في عقل أبوظبي التشريعي ، حيث سالم يسأل:
بنينا جدار الثقة… لكن كيف نحميه من التشققات؟
من هنا تبدأ حكاية أبوظبي في مختبرها التشريعي الذي يلتقط أفضل التجارب العالمية ليصنع نموذج عقد موحّد للبيع على الخارطة، بنود “ذهبية” لا تمس حقوق المشتري، وبنود “فضية” للتفاوض، وحوافز “تصنيف ماسي” للمطورين، وصولًا إلى عقد ذكي على البلوكتشين…لأن الاستدامة الحقيقية تبدأ من استدامة الثقة وعدالة العقود.
أبوظبي: مختبر ابتكار تشريعي، ما بعد الثقة.. نحو يقين مستدام:
بعد أشهر من إقرار قانون رقم (2) لسنة 2025بتعديل بعض أحكام القانون رقم (3) لسنة 2015 في شأن تنظيم القطاع العقاري في إمارة أبو ظبي،
كان سالم يقف في شرفة شقته، ينظر إلى الأفق العمراني المتلألئ لأبوظبي. لم يعد ذلك المستثمر القلق الذي كان يتساءل عن مصير أمواله، بل أصبح سفيراً للثقة.
بجانبه كانت سلمى، المحامية التي تحولت من وكيل قانوني إلى شريك في رحلة فهم "الهندسة المعمارية للثقة".
قالت سلمى وهي ترتشف قهوتها: "انظر يا سالم، لقد نجحنا. السوق اليوم أكثر نضجاً، والمشترون أكثر اطمئناناً. لقد كانت رحلة تشريعية فريدة."
أومأ سالم برأسه موافقاً، لكنه أضاف بنبرة تأمل: "صحيح يا سلمى، لقد بنينا جداراً من الثقة.
-لكن كيف نحافظ عليه؟
-كيف نضمن ألا تظهر تشققات في هذا الجدار مع مرور الزمن؟
" كان سؤاله عميقاً، ولم يكن موجهاً لسلمى وحدها، بل كان صدى لفكر جديد بدأ يتبلور في أروقة صنع القرار في أبوظبي.
فجأة، رنّ هاتف سلمى، وكان على الطرف الآخر صوت هادئ وواثق: "أهلاً بكِ أستاذة سلمى، أنا (المُشرِّع). لقد تابعت نقاشاتكم. سؤال السيد سالم الأخير هو بالضبط ما نعمل على الإجابة عليه الآن. أدعوكم غداً لتكونوا جزءاً من الخطوة التالية في رحلتنا التشريعية المستمرة."
مجلس الابتكار التشريعي.. مختبر دائم للتطوير
في اليوم التالي، وجد سالم وسلمى نفسيهما في مبنى زجاجي حديث، لا يشبه أي هيئة حكومية تقليدية. في الداخل، قاعة دائرية ضخمة، تتوسطها طاولة مستديرة، وتحيط بها شاشات عملاقة تعرض بيانات حية عن السوق العقاري العالمي، ومؤشرات الثقة، وأخباراً قانونية من مختلف أنحاء العالم.
استقبلهما "المُشرِّع" بابتسامة ترحيب قائلاً: "أهلاً بكما في (مجلس الابتكار التشريعي). هذا ليس مجلساً بالمعنى التقليدي، بل هو مختبر تشريعي دائم التطور.
مهمتنا هنا ليست فقط رد الفعل على المشكلات، بل استشراف المستقبل ووضع الأطر القانونية التي تمنع وقوعها من الأساس. نحن لا ننتظر العاصفة لكي نبني السدود."
أشار المُشرِّع إلى الشاشات العملاقة:"هذه الشاشات هي نوافذنا على العالم. اليوم، سنستدعي خبراء من كافة الدول التي نجحت في تنظيم عقود المستهلكين، لنستمع إلى تجاربهم مباشرة.
موضوعنا الأول هو: كيف يمكننا توحيد عقود البيع على الخارطة باستخدام نماذج حكومية تضمن العدالة والشفافية وتحمي الطرف الأضعف، دون أن تخنق حرية السوق؟"
حوار العقول.. تجارب دولية على طاولة أبوظبي
بدأ "المُشرِّع" الحوار بتوجيه السؤال الأول إلى الخبير التايواني، بروفيسور تشين: "لقد قرأنا باهتمام دراستكم حول تنظيم عقود المستهلكين باستخدام نماذج حكومية.
كيف نجحتم في تطبيق هذه الفكرة؟"
أجاب البروفيسور تشين: "في تايوان، واجهنا المشكلة نفسها فالعقود طويلة ومعقدة، وشروط غير عادلة. كان الحل في إصدار نماذج عقود حكومية تحدد الشروط الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها. وجدنا أن الشركات تلتزم بهذه النماذج حتى لو لم تكن ملزمة قانوناً، لأنها تمنحها (شهادة ثقة) أمام المستهلكين".
علقت سلمى: "هذا مثير للاهتمام. لكن ألا يؤدي ذلك إلى جمود السوق؟"
هنا تدخل الخبير السنغافوري، السيد لي، قائلاً: "لقد عالجنا هذه النقطة في سنغافورة. نماذجنا الحكومية ليست جامدة، بل هي (نماذج ديناميكية). نحدد فيها (البنود الحمراء) التي لا يمكن المساس بها، وهي المتعلقة بحقوق المستهلك الأساسية، ونترك (البنود الخضراء) التي يمكن للمطور والمشتري التفاوض بشأنها بحرية."
أضافت الخبيرة الماليزية، الدكتورة فاطمة: "في ماليزيا، ذهبنا خطوة أبعد. لقد ربطنا نماذج العقود الحكومية بنظام تصنيف للمطورين. المطور الذي يلتزم بالنموذج الحكومي يحصل على (تصنيف بلاتيني) يمنحه مزايا ضريبية وتسهيلات، مما يخلق حافزاً إيجابياً لتبني أفضل الممارسات."
كان سالم يستمع باهتمام شديد، ثم سأل: "وماذا عن العقود الذكية والبلوكتشين؟"
أجاب الخبير الكوري، الدكتور كيم: "نحن في كوريا الجنوبية رواد في هذا المجال. نعمل حالياً على تطوير (عقود ذكية حكومية) مبنية على تقنية البلوكتشين.
هذه العقود ليست مجرد نصوص، بل هي برامج كمبيوتر تنفذ نفسها تلقائياً. هذا يقلل من احتمالات الخطأ أو التلاعب، ويزيد من الشفافية والأمان" .
صمت "المُشرِّع" للحظة، ثم قال: "شكراً لكم جميعاً. لقد قدمتم لنا خريطة طريق واضحة.
في أبوظبي، لا نريد أن ننسخ تجربة أي دولة، بل نريد أن نستلهم من الجميع لنصنع نموذجنا الخاص. نموذج يجمع بين حكمة التشريع وقوة التكنولوجيا."
النموذج الحكومي المبتكر.. عقد ذكي بنكهة إماراتية
بعد أيام، دعا "المُشرِّع" سالم وسلمى مرة أخرى إلى مجلس الابتكار التشريعي. هذه المرة كانت الشاشات تعرض نموذجاً ثلاثي الأبعاد لعقد رقمي متطور.
قال المُشرِّع بحماس: "بناءً على ما تعلمناه من تجارب العالم، وبدمجه مع رؤيتنا للمستقبل، سوف نقوم بتصميم (نموذج عقد أبوظبي الموحد للبيع على الخارطة). هذا ليس مجرد نموذج ورقي، بل هو عقد ذكي تفاعلي، يجمع بين أفضل الممارسات القانونية وأحدث التقنيات."
شرح المُشرِّع خصائص النموذج الجديد:
أولا: البنود ثلاثية الألوان :
"استلهمنا من تجربة سنغافورة، فقسمنا العقد إلى ثلاثة أنواع من البنود:
-البنود الذهبية: وهي الحقوق الأساسية للمشتري التي لا يمكن المساس بها. هذه البنود محمية بموجب القانون مباشرة، وقد نصت عليها المادة (4) من اللائحة التنفيذية بشأن السجل العقاري الأولي رقم (246) لسنة 2015 التي أوجبت تضمين عقد البيع على الخارطة بيانات إلزامية تشمل: بيانات طرفي العقد، ووصف تفصيلي للعقار المبيع، وثمن البيع وجدول سداد الدفعات، واسم حساب ضمان المشروع، والتزامات المطور والمشتري .
وقد عزز قانون حماية المستهلك الاتحادي رقم (15) لسنة 2020 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (66) لسنة 2023 هذه الحماية، حيث ألزمت المادة (6) من اللائحة المزود (المطور) بتسليم المستهلك (المشتري) فاتورة تفصيلية، وألزمته المادة (13) بضمان الخدمة التي يؤديها خلال فترة زمنية تتناسب مع طبيعتها، وفي حال إخلاله بهذا الالتزام، يحق للمستهلك الاختيار بين إعادة المبلغ الذي دفعه، أو أن يؤدي المطور الخدمة مرة أخرى على الوجه الصحيح .
-البنود الفضية: وهي البنود التي يمكن التفاوض عليها بين المطور والمشتري، مثل جدول الدفعات، والمواصفات الإضافية، وشروط إعادة البيع. لكن ضمن إطار محدد يمنع الشروط التعسفية، وهو ما أكدته المادة (21) من قانون حماية المستهلك التي أبطلت كل شرط يرد في عقد أو فاتورة إذا كان من شأنه إعفاء المزود من أي من الالتزامات الواردة في هذا القانون .
-البنود البيضاء: وهي بنود اختيارية يمكن إضافتها حسب طبيعة كل مشروع، مثل خدمات إدارة الممتلكات، أو برامج الولاء."
ثانيا: التصنيف الماسي للمطورين:
"استلهمنا من تجربة ماليزيا، فربطنا هذا النموذج بنظام تصنيف جديد. المطورون الذين يتبنون هذا العقد ويحققون أعلى معايير الجودة والالتزام، سيحصلون على (التصنيف الماسي)، الذي يمنحهم أولوية في المشاريع الحكومية، وتسهيلات في التمويل، ومزايا تسويقية واضحة. هذا يحول الالتزام بالقانون من عبء إلى ميزة تنافسية."
ثالثا: التنفيذ الذكي عبر البلوكتشين
"وهنا تأتي بصمتنا الخاصة، المستلهمة من تجربة كوريا. سيتم تسجيل هذا العقد على منصة بلوكتشين حكومية آمنة. جميع الدفعات، وشهادات الإنجاز، ونقل الملكية، ستتم بشكل آلي وموثق.
هذا ينهي عصر الشيكات المرتجعة، والنزاعات حول نسب الإنجاز.
وقد مهد قانون تنظيم القطاع العقاري الطريق لهذه الرؤية من خلال تأسيس حساب ضمان المشروع، الذي تودع فيه كافة المبالغ المدفوعة من المشترين، ولا يجوز للمطور سحب أي مبالغ منه إلا بعد الحصول على موافقة أمين الحساب ووفقاً لنسب الإنجاز المعتمدة .
كما أن القانون رقم (2) لسنة 2025 المعدل للقانون الأصلي، قد شدد في المادة (17) منه على إجراءات حماية المشتري في حال إخلاله بالتزاماته، حيث ألزم المطور بإخطار المشتري واللجوء إلى التسوية الودية قبل اتخاذ إجراء فسخ العقد، مما يوفر طبقة حماية إضافية للمشتري ."
كانت سلمى تنظر إلى النموذج بإعجاب، وقالت: "هذا ليس مجرد عقد، هذا نظام بيئي متكامل للثقة. لقد حولتم النص القانوني الجامد إلى أداة حية وتفاعلية."
أما سالم، فقد ابتسم وقال: "الآن اكتملت الصورة. في البداية، بنيتم جدار الثقة بقانون 2015. والآن، مع تعديلات 2025 واللوائح التنفيذية التفصيلية، أنتم تبنون فوقه سقف اليقين بهذا النموذج المبتكر. لقد أصبحت أبوظبي حقاً مختبراً تشريعياً، ليس فقط للمنطقة، بل للعالم أجمع."
التعديلات التشريعية لعام 2025.. تطوير مستمر للحماية
في مايو 2025، صدر القانون رقم (2) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (3) لسنة 2015، ليمثل نقلة نوعية في منظومة حماية المستهلكين في عقود البيع على الخارطة. وقد جاءت هذه التعديلات استجابة للتطورات في السوق العقاري وتعزيزاً لآليات الحماية القائمة.
من أبرز التعديلات التي أدخلها القانون الجديد، استبدال مصطلح "اتحاد الملاك" بـ"لجنة الملاك"، وهو ما يعكس تحولاً في فلسفة إدارة العقارات المشتركة نحو نموذج أكثر مرونة وفعالية. كما استحدث القانون مفهوم "النظام الداخلي للجان الملاك" الذي يصدر بقرار من الرئيس لتنظيم عمل هذه اللجان .
وفيما يتعلق بحماية المشتري عند إخلاله بالتزاماته، فقد وضع القانون المعدل في المادة (17) البند (3) إجراءات تفصيلية تضمن حقوق الطرفين، حيث ألزم المطور بإخطار المشتري والدائن المرتهن (إن وجد) بواسطة كاتب العدل أو بخطاب مسجل بعلم الوصول، ومنح المشتري مهلة ستين يوماً للوفاء بالتزاماته.
كما أوجب على المطور إبلاغ الدائرة وإجراء التسوية الودية قبل أي إجراء فسخ، مما يوفر حماية إجرائية متعددة المراحل للمشتري .
كما عزز القانون الجديد الرقابة على حساب ضمان المشروع، حيث نصت المادة (19) المعدلة على أنه لا يجوز صرف أي مبالغ من حساب ضمان المشروع إلا لأغراض إنشاء وإتمام المشروع وسداد دفعات تمويله حصراً، ولا تُصرف أي مبالغ ما لم يكن المطور قد أنجز ما لا يقل عن عشرين بالمائة من أعمال تشييد وبناء المشروع، مع إمكانية تقديم ضمانات بنكية بديلة .
وفي مجال العقوبات، رفع القانون الجديد سقف الغرامات الإدارية إلى مليوني درهم، وأجاز التصالح بنسبة خمسة وسبعين بالمائة من الغرامة المقررة، مما يوازن بين الردع والمرونة في التطبيق .
خاتمة وفلسفة أبوظبي المتجددة:
لم تعد أبوظبي تنظر إلى القانون كمجرد مجموعة من القواعد والمحظورات، بل أصبحت تراه كأداة تصميم (Design Tool) يمكن من خلالها هندسة سلوك السوق، وتحفيز الابتكار، وبناء الثقة بشكل استباقي. إن فكرة "مجلس الابتكار التشريعي" نحو العمل على استحداث "نموذج عقد أبوظبي الموحد" سوف تكون تتويجا لهذه الفلسفة. والتعديلات المستمرة، كما رأينا في قانون رقم (2) لسنة 2025، تؤكد أن هذه الرحلة ليست ثابتة، بل هي عملية تطوير وتحسين مستمرة، تضمن بقاء الإطار القانوني مرناً ومتجاوباً مع متغيرات السوق واحتياجات المتعاملين.
اننا هنا من أبوظبي ، نبعث رسالة واضحة للعالم: الاستدامة الحقيقية لا تأتي فقط من المباني الخضراء، بل تبدأ من استدامة الثقة، ووضوح الحقوق، وعدالة العقود. وبهذا، تواصل أبوظبي رحلتها كمختبر تشريعي رائد، لا يكتفي بمواكبة المستقبل، بل يشارك في صناعته لازدهار أبوظبي ومنها الي كافة أوطاننا العربية.