ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

صوت سينمائي فلسطيني واجه الرواية السائدة بالفن

رحيل محمد بكري صاحب فيلم «جنين جنين» عن 72 عامًا

خلف الحدث

في خسارة جديدة للمشهد الثقافي الفلسطيني والعربي، توفي الفنان والمخرج الفلسطيني محمد بكري، يوم 24 ديسمبر 2025، عن عمر ناهز 72 عامًا، بعد تدهور حالته الصحية إثر مضاعفات في القلب والرئتين، داخل أحد مستشفيات مدينة نهاريا شمال إسرائيل، وفق ما أعلنته عائلته وعدد من وسائل الإعلام.

برحيله، يفقد الفن الفلسطيني واحدًا من أبرز رموزه الذين جمعوا بين التمثيل والإخراج، وبين الإبداع الفني والموقف السياسي، في مسيرة طويلة اتخذ فيها من السينما والمسرح أداة لسرد الحكاية الفلسطينية من الداخل، ومواجهة الروايات الرسمية السائدة حول الصراع.

مسيرة فنية من الجليل إلى العالم

وُلد محمد بكري في 27 نوفمبر 1953 في قرية البعنة بالجليل الأعلى، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. نشأ في بيئة فلسطينية محافظة على هويتها الثقافية رغم واقع الاحتلال، وهو ما انعكس لاحقًا في اختياراته الفنية.

التحق بجامعة تل أبيب، حيث درس التمثيل والأدب العربي، وتخرج عام 1976، ليبدأ بعدها مسيرته الفنية على خشبات المسرح، متنقلًا بين مسارح بارزة مثل Habima Theatre ومسرح القصبة (al-Kasaba)، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى السينما، ممثلًا ومخرجًا.

على مدار ما يزيد عن أربعة عقود، شارك بكري في أكثر من 40 عملًا فنيًا، تنوعت بين المسرح، والسينما الروائية، والسينما الوثائقية، إضافة إلى مشاركاته في أعمال دولية مع مخرجين من مدارس سينمائية مختلفة.

أدوار سينمائية صنعت حضوره العالمي

برز محمد بكري كممثل في عدد من الأفلام التي تناولت التجربة الفلسطينية والإنسانية عمومًا، من أبرزها:

  • Beyond the Walls (خارج الجدران)، الذي قدّم فيه دورًا مؤثرًا لسجين فلسطيني، وكان من الأعمال التي لفتت الأنظار عالميًا إلى قدراته التمثيلية.
  • Tale of the Three Jewels
  • All That’s Left of You
  • Wajib، الذي شارك فيه مع ابنه صالح بكري، ولاقى صدى واسعًا في المهرجانات الدولية.

تميزت أدواره بالعمق النفسي، والابتعاد عن النمطية، مع قدرة لافتة على تقديم الشخصية الفلسطينية بوصفها كيانًا إنسانيًا مركبًا، لا مجرد رمز سياسي.

«جنين، جنين»… الفيلم الذي وضعه في قلب العاصفة

يُعد الفيلم الوثائقي “Jenin, Jenin” (2002) العمل الأكثر إثارة للجدل في مسيرة محمد بكري، والأكثر تأثيرًا في الوقت ذاته. يوثّق الفيلم شهادات سكان مخيم جنين عقب الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، ويقدّم رواية فلسطينية مباشرة لما جرى على الأرض.

أثار الفيلم عاصفة سياسية وقانونية داخل إسرائيل، حيث مُنع من العرض لفترات طويلة، وواجه بكري دعاوى قضائية متكررة بدعوى “تشويه سمعة الجيش”، ما أدخله في معارك قانونية استمرت لسنوات، وجعل من الفيلم قضية حرية تعبير بقدر ما هو عمل فني.

ورغم الجدل، عُرض الفيلم في مهرجانات دولية، واعتبره نقاد كثر وثيقة سينمائية جريئة كسرت احتكار الرواية الرسمية، ورسّخت اسم محمد بكري كأحد أكثر الأصوات الفنية الفلسطينية حضورًا على الساحة العالمية.

جوائز وتكريمات دولية

نال محمد بكري خلال مسيرته عدة جوائز وتكريمات من مهرجانات سينمائية عربية ودولية، تقديرًا لإسهاماته الفنية ودوره في تطوير السينما الفلسطينية.

وكان من بين أبرز لحظات التكريم، احتفاؤه في مهرجان الجونة السينمائي بمصر، إلى جانب مشاركاته الدائمة في مهرجانات أوروبية وآسيوية ناقشت أفلامه بوصفها نماذج للسينما الملتزمة بالقضايا الإنسانية.

ردود فعل واسعة وتأثير مستمر

عقب إعلان وفاته، توالت بيانات النعي من فنانين ومثقفين فلسطينيين وعرب ودوليين، أكدوا أن محمد بكري لم يكن مجرد ممثل أو مخرج، بل صوتًا ثقافيًا مقاومًا استخدم الفن للدفاع عن الذاكرة الفلسطينية وحقها في السرد.

ورأى كثيرون أن إرثه يتجاوز حدود الشاشة، ليشمل تأثيره على أجيال جديدة من صناع السينما الفلسطينية، الذين وجدوا في تجربته نموذجًا للشجاعة الفنية والاستقلال الفكري.

خلاصة

برحيل محمد بكري، يغيب أحد أهم رموز الفن الفلسطيني المعاصر، لكنه يترك خلفه إرثًا سينمائيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في النقاشات الثقافية والسياسية لسنوات طويلة.

كان بكري شاهدًا ومشاركًا في كتابة الذاكرة الفلسطينية بالصورة والصوت، وواحدًا من الفنانين الذين آمنوا بأن السينما ليست ترفًا، بل موقفًا، وأن الفن قادر على مواجهة القوة حين يعجز السلاح عن قول الحقيقة.

تم نسخ الرابط