ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الجزائر تعيد فتح جراح الذاكرة الاستعمارية بقانون تاريخي

الجزائر: وضع تشريع يجرم الاستعمار الفرنسي ويضع العلاقات مع باريس على مفترق طرق

خلف الحدث

في خطوة تشريعية تحمل أبعادًا تاريخية وسياسية تتجاوز حدود الداخل الجزائري، صادق البرلمان الجزائري بالإجماع، في 24 ديسمبر 2025، على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي ويصنّفه بوصفه «جريمة دولة» غير قابلة للتقادم، في قرار أعاد إلى الواجهة أحد أكثر ملفات الذاكرة حساسية وتعقيدًا في العلاقات بين الجزائر وفرنسا منذ الاستقلال عام 1962.

الخطوة، التي جاءت في سياق إقليمي ودولي متوتر، لا تُمثّل مجرد تشريع وطني، بل تعكس تحوّلًا واضحًا في مقاربة الجزائر لملف الذاكرة الاستعمارية، من دائرة الخطاب السياسي والأخلاقي إلى إطار قانوني صريح، يطالب باعتذار رسمي وتعويضات، ويحمّل الدولة الفرنسية مسؤولية تاريخية وقانونية عن 132 عامًا من الاستعمار.

قانون الذاكرة… من الرمز إلى النص الملزم داخليًا

القانون الجديد، الذي أُقرّ خلال جلسة برلمانية ذات طابع رمزي لافت، يرتكز على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها:

  • اعتبار الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830–1962) جريمة دولة كاملة الأركان، تتحمل فرنسا مسؤوليتها السياسية والتاريخية.
  • توصيف عشرات الممارسات الاستعمارية كجرائم غير قابلة للتقادم، تشمل القتل الجماعي، التعذيب المنهجي، الإبادة، التهجير القسري، مصادرة الأراضي، ونهب الثروات.
  • إدراج ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية ضمن الجرائم التي تستوجب كشف الخرائط والمعلومات التقنية وتنظيف المناطق المتضررة من الإشعاع.
  • المطالبة الصريحة باعتذار رسمي وتعويضات مادية ومعنوية باعتبارها «حقًا غير قابل للتصرف» للشعب الجزائري.
  • فرض عقوبات جنائية داخل الجزائر بحق كل من يروّج أو يبرر الاستعمار أو يمجّد رموزه، تمتد إلى المحتوى الإعلامي والرقمي، بعقوبات تصل إلى السجن من 5 إلى 10 سنوات.

وبحسب المشرّعين الجزائريين، فإن القانون لا يستهدف الانتقام، بل «حماية الذاكرة الوطنية» ومنع ما يعتبرونه محاولات متكررة لإعادة صياغة التاريخ الاستعماري بلغة تبريرية أو مخففة.

خلفية سياسية مشحونة… لماذا الآن؟

إقرار القانون لا يمكن فصله عن السياق السياسي الراهن، إذ يأتي في ظل توتر غير مسبوق في العلاقات الجزائرية–الفرنسية خلال العامين الأخيرين، خاصة بعد:

  • الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية، والذي اعتبرته الجزائر انحيازًا استراتيجيًا للمغرب.
  • تراجع مسار «مصالحة الذاكرة» الذي أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ولايته الأولى دون ترجمة عملية إلى اعتذار أو تعويض.
  • تصاعد الخطاب السياسي في فرنسا، خاصة من اليمين، الذي يرفض الاعتذار عن الاستعمار ويعيد طرح سرديات تاريخية مثيرة للجدل.

وبهذا المعنى، يرى مراقبون أن القانون يمثّل رسالة سياسية مزدوجة: داخليًا لتعزيز الإجماع الوطني حول الذاكرة، وخارجيًا للضغط على باريس وإعادة تعريف قواعد العلاقة الثنائية.

رد الفعل الفرنسي… قلق دبلوماسي واتهامات بالتصعيد

باريس لم تتأخر في الرد، إذ وصفت الخارجية الفرنسية القانون بأنه «مبادرة أحادية ذات طابع تصعيدي»، محذّرة من أنه قد يُعقّد جهود إعادة بناء الثقة واستئناف الحوار حول الملفات العالقة بين البلدين.

وسائل إعلام فرنسية كبرى اعتبرت أن الجزائر «تنقل الصراع من مستوى الذاكرة إلى مستوى التشريع»، وهو ما قد يفتح بابًا لنزاعات دبلوماسية طويلة الأمد، ويؤثر على التعاون في ملفات حساسة مثل:

  • الهجرة
  • الأمن ومكافحة الإرهاب
  • التعاون الاقتصادي والطاقة

في المقابل، يرى خبراء قانونيون فرنسيون أن القانون، رغم ثقله الرمزي، لا يملك أثرًا قانونيًا مباشرًا خارج الحدود الجزائرية، لكنه قد يُستخدم كورقة ضغط سياسية وأخلاقية في المحافل الدولية.

الذاكرة الاستعمارية… ملف لم يُغلق

الاستعمار الفرنسي للجزائر، الذي بدأ عام 1830 وانتهى عام 1962، يُعد من أكثر التجارب الاستعمارية عنفًا في التاريخ الحديث، وقد خلّف ملايين الضحايا وآثارًا اجتماعية واقتصادية ونفسية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي الجزائري.

ورغم اعترافات فرنسية متقطعة بـ«ممارسات غير إنسانية»، لم يصدر حتى اليوم اعتذار رسمي صريح من الدولة الفرنسية، ما يجعل ملف الذاكرة أحد أعقد ملفات العلاقات الثنائية.

تداعيات أوسع… ما بعد الجزائر وفرنسا

يرى محللون أن القانون الجزائري قد يشكّل سابقة سياسية وقانونية تشجّع دولًا أخرى خضعت للاستعمار على إعادة فتح ملفات مماثلة، خاصة في أفريقيا وآسيا، ضمن نقاش عالمي متصاعد حول العدالة التاريخية والمسؤولية الاستعمارية.

في المقابل، تُثار مخاوف من أن تؤدي القيود القانونية الجديدة إلى تضييق النقاش الأكاديمي والإعلامي داخل الجزائر، وهو ما قد يفتح بدوره بابًا لانتقادات حقوقية دولية.

الخلاصة

بقانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، لا تكتفي الجزائر باستعادة الماضي، بل تعيد صياغته سياسيًا وقانونيًا، واضعة علاقتها مع باريس أمام اختبار جديد عنوانه: الذاكرة، المسؤولية، والاعتراف.
ورغم أن القانون لا يفرض التزامات قانونية دولية مباشرة على فرنسا، فإنه يحمل وزنًا رمزيًا واستراتيجيًا كبيرًا، ويؤكد أن ملف الاستعمار، بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، لا يزال مفتوحًا… وقابلًا لإعادة الاشتعال.

تم نسخ الرابط