من شرفة الطابق الخامس سقط الصمت..حكاية «يونس» الطفل الذي لم يعرف ذنبًا
في زقاق ضيق يتفرع من شارع سيد عامر، بمنطقة اللبيني بالهرم، تمدد جسد صغير على الأرض، صامتًا على غير عادة الأطفال.
لم يكن يونس، ذو العامين والنصف، يعرف أن صباحه الأخير سيبدأ من سرير نومه، وينتهي أسفل عقار مكوّن من خمسة طوابق، بعد أن هوى جسده من شرفة الطابق الخامس.
الساعة كانت تشير إلى ما بعد الخامسة مساءً بقليل، حين تلقت غرفة عمليات النجدة بلاغًا عاجلًا: «سيدة ألقت طفلها الرضيع من شرفة منزلها».
دقائق، وكانت قوة من قسم شرطة الهرم بقيادة الملازم أول توفيق محمد تصل إلى موقع البلاغ.
بين العقارين رقمي 12 و14، كان المشهد قاسيًا. طفل صغير، مسجى على ظهره، يرتدي بلوفرًا أزرق وحفاضًا أبيض، ودماء تنساب من جرح غائر بمؤخرة رأسه من الجهة اليمنى. كسر الصمت صوت همسات الجيران، وذهول المارة، ووقوف الأم على مقربة من الجثمان، لا تصرخ ولا تبكي، فقط تنظر.
شقة صامتة.. ولا آثار مقاومة
داخل العقار رقم 14، صعدت القوة إلى الطابق الخامس. الشقة التي خرج منها الطفل كانت هادئة على نحو مربك.
باب يفتح على صالة صغيرة، رواق ينتهي بمطبخ، حمام على اليمين، وغرفة نوم واحدة على اليسار.
في غرفة النوم، حيث نام يونس للمرة الأخيرة، لم تكن هناك آثار عنف أو بعثرة. سرير واحد، دولاب، تسريحة، وكومود جانبي. نافذة واحدة تطل مباشرة على موضع سقوط الطفل. من هنا فقط، انتهت الحكاية.
أم أمام النيابة: «أنا اللي قتلته»
في سراي النيابة، لم تحاول الأم الإنكار.
ندى، 28 عامًا، حاصلة على ليسانس حقوق، جلست أمام المحقق، وطلبت الكلام.
حكت عن زواجها في 2020، عن طفل وُلد في أكتوبر 2021، وعن حياة «كانت ماشية عادي».
زوج يكافح، وبيت بسيط، وأم بلا عمل.
ثم بدأت الضغوط من أهلها: «اشتغلي.. خلي معاكي فلوس».
تقول إنها بحثت عن فرصة عمل، حتى التقت بسيدة تُدعى «إيمي» داخل أحد فنادق القاهرة الكبرى، عرضت عليها العمل «ريكلام» داخل ديسكو. أخبرت زوجها أنها ستعمل في «الريسبشن».
وافق، لأنه وثق.
تدحرجت القصة سريعًا.
من ملابس وزينة، إلى رقص، إلى علاقات خارج الفندق. تعترف:
«كنت بستحقر نفسي.. وحاسة بذنب ناحية جوزي وابني».
قبل أسبوعين، اعترفت لزوجها بجزء من الحقيقة. كادت الأسرة أن تنهار، لكنه سامحها، ومنعها من الخروج. هنا، بحسب اعترافها، بدأ الانهيار الحقيقي.
الفكرة التي قتلت طفلًا
تقول ندى إن فكرة واحدة سيطرت عليها:
«جوزي وابني ميستحقوش يعيشوا مع واحدة زيي».
في صباح يوم الواقعة، غادر الزوج لتجديد رخصة السكوتر.
بقيت وحدها مع الطفل. خنقته أولًا، ثم حملته، وألقته من نافذة غرفة النوم.
بعدها نزلت مسرعة، ووقفت بجوار جثمانه، تعترف للجيران قبل الشرطة: «أنا اللي عملت كده».
يونس.. الضحية الصامتة
لم يكن ليونس ذنب. لم يعرف خطايا الكبار، ولا صراعاتهم، ولا ضعفهم.
كان مجرد طفل نام بجوار أمه، ولم يستيقظ.
النيابة أمرت بنقل الجثمان إلى مصلحة الطب الشرعي، وندب الطبيب الشرعي لتشريح الجثة وبيان سبب الوفاة، فيما تستكمل التحقيقات لكشف الملابسات النفسية والجنائية الكاملة للجريمة.
ويبقى السؤال معلقًا في زقاق اللبيني:
كم من المآسي تولد في الصمت؟ وكم من الأطفال يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبها