ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

رحيل شاعر الصورة والبحث عن الإنسان

وفاة المخرج المصري داوود عبد السيد… نهاية مسيرة استثنائية في تاريخ السينما العربية

خلف الحدث

في لحظة صمت ثقيل، فقدت السينما المصرية والعربية، اليوم السبت 27 ديسمبر 2025، واحدًا من أكثر مخرجيها تفردًا وعمقًا، برحيل المخرج والسيناريست الكبير داوود عبد السيد، عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض.
رحيل لم يكن مجرد غياب اسم كبير من أسماء الإخراج، بل غياب رؤية فنية كاملة، شكّلت لعقود ضميرًا سينمائيًا ناقدًا، ومرآةً صادقة لتحولات المجتمع المصري وأسئلته الوجودية.

الخبر، الذي سرعان ما انتشر في الأوساط الفنية والثقافية، مثّل صدمة لجمهور السينما الجادة، التي طالما ارتبط اسم داوود عبد السيد بها باعتباره أحد آخر مخرجي المدرسة الإنسانية التأملية في السينما المصرية.

إعلان الوفاة… لحظة شخصية تتحول إلى حزن عام

أُعلن خبر الوفاة عبر منشور مؤثر نشرته زوجته كريمة كمال على صفحتها الشخصية بموقع «فيسبوك»، كتبت فيه:

«رحل اليوم أغلى ما عندي… زوجي وحبيبي داوود عبد السيد».

سرعان ما تحوّل المنشور إلى مساحة عزاء مفتوحة، توالت فيها كلمات النعي من فنانين، نقاد، مثقفين، وجمهور رأى في أفلامه جزءًا من وعيه الجمعي وذاكرته البصرية.

مسيرة فنية تتجاوز الإخراج إلى بناء رؤية

وُلد داوود عبد السيد في 23 نوفمبر 1946، وتخرّج في المعهد العالي للسينما عام 1967، في فترة شديدة الاضطراب سياسيًا وثقافيًا، ما انعكس لاحقًا بوضوح على طبيعة أسئلته الفنية.

بدأ مشواره كمساعد مخرج في أعمال بارزة شكّلت وعيه السينمائي، من بينها:

  • «الأرض» – يوسف شاهين
  • «الرجل الذي فقد ظله» – كمال الشيخ
  • «أوهام الحب» – ممدوح شكري

لكن انتقاله إلى الإخراج لم يكن انتقالًا تقليديًا، بل بداية مشروع سينمائي خاص، يشتبك مع الإنسان قبل الحدث، ومع الفكرة قبل الحكاية.

سينما الأسئلة لا الإجابات

على مدار أكثر من خمسة عقود، قدّم داوود عبد السيد أفلامًا أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية، من أبرزها:

  • «الصعاليك» (1985)
  • «البحث عن سيد مرزوق» (1991)
  • «الكيت كات» (1991)
  • «سارق الفرح» (1995)
  • «مواطن ومخبر وحرامي» (2001)
  • «رسائل البحر» (2010)
  • «قدرات غير عادية» (2015)

تميّزت هذه الأعمال بقدرتها على:

  • تفكيك السلطة والمجتمع دون خطاب مباشر
  • الغوص في الهامش الإنساني
  • طرح أسئلة الهوية، الحرية، الإيمان، والاغتراب

لم تكن أفلامه تجارية بالمعنى السائد، لكنها كانت راسخة التأثير، وذات حضور دائم في النقاشات النقدية والأكاديمية.

تقدير نقدي وجوائز دولية

حظيت أعمال داوود عبد السيد بتقدير نقدي عربي ودولي واسع، حيث:

  • اختير ثلاثة من أفلامه ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي في مهرجان دبي السينمائي
  • شاركت أفلامه في مهرجانات دولية مرموقة
  • اعتُبر أحد أبرز صُنّاع ما يُعرف بـ السينما المؤلفة في العالم العربي

وقد أجمع نقاد على أنه لم يكن مجرد مخرج، بل مفكر سينمائي يستخدم الصورة كوسيلة للتأمل الفلسفي والاجتماعي.

المرض والرحيل الهادئ

كشف الموسيقار راجح داوود، نجل عمه، في تصريحات إعلامية، أن المخرج الراحل كان يعاني خلال الفترة الأخيرة من فشل كلوي مزمن، وكان يتلقى العلاج بشكل منتظم، قبل أن تتدهور حالته الصحية تدريجيًا خلال الأشهر الماضية، وصولًا إلى وفاته.

الجنازة والعزاء

أعلنت الأسرة أن جنازة داوود عبد السيد ستُشيّع الأحد من كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، على أن يتم الإعلان لاحقًا عن موعد ومكان العزاء.

ردود الفعل: إجماع نادر على القيمة

نعى الراحل عدد كبير من الفنانين والمثقفين، الذين أجمعوا على:

  • نقاء مشروعه الفني
  • استقلاله عن التيارات السائدة
  • إخلاصه لفكرة السينما كفن ومعرفة

ووصفت تدوينات كثيرة رحيله بأنه «خسارة لا تُعوّض للسينما الجادة».

إرث لا يغيب

برحيل داوود عبد السيد، تفقد السينما العربية أحد أكثر أصواتها هدوءًا وعمقًا، لكنه يظل حاضرًا عبر أفلام لا تشيخ، وأسئلة لا تزال مفتوحة.

لم يصنع أفلامًا للضجيج، بل للذاكرة.
ولم يركض خلف السوق، بل خلف الإنسان.

ذلك هو الإرث الحقيقي الذي تركه داوود عبد السيد…
سينما تُشاهد بالقلب قبل العين.

تم نسخ الرابط