ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

د. غانم السعيد يكتب: بين شرف العصامية.. وعار الدونية

د. غانم السعيد
د. غانم السعيد

ليس العارُ أن يولد الإنسان في بيتٍ متواضع الحال، محدود ذات اليد، ولكن العار كل العار أن يولد في بيتٍ فقير القيم، خواء الضمير.
والعظيم حقًّا هو من كان عصاميًّا في مسيرته، نظيف الكف، طاهر السيرة، لم تلوّثه شبهة حرام، ولم يمد يده إلى منصبٍ ليس من حقه، ولم يتسلّق الأكتاف أو يستجدِ المواقع، وإنما شقّ طريقه بعرق الجبين، وصدق الاجتهاد، وصبر العالمين.
وقد شهدت له شهاداته العلمية قبل أن تشهد له المناصب، وصدّق عليه علمه قبل أن يُصدّق عليه الناس؛ فكان بذرة عالمٍ نبتت في أرضٍ صلبة، وسُقيت بماء الكفاح، حتى أثمرت عالِمًا جليلًا يُشار إليه بالبنان، ويقف له الكبار إجلالًا، ويهابه العظماء تقديرًا.
ومع هذا كله، ظل متواضعًا، عفيف اللسان، نقيّ الجَنان، لم يهبط يومًا عن صهوة المكارم، ولم ينحدر إلى درك السباب أو سفاسف الخصومة، ليدفع عن نفسه أحقادًا متراكمة في صدورٍ مريضة، متكلّسة، أضناها الحسد، وأعماها الغِلّ، وأقعدها الحمق والسفه.
حتى لتكاد ترى النزاهة، والشرف، وعزة النفس، والعمل الشريف — وإن كان متواضعًا — تُتَّخذ عندهم مادةً للمعايرة، ووسيلةً للنيل من أقدار الناس، وانحدارًا أخلاقيًّا لا يليق إلا بأصحابه.
ولم يكن العظماء يومًا ممن يخجلون من بداياتهم المتواضعة، بل كانوا — ولا يزالون — يذكرونها في كل محفل فخرًا واعتزازًا، لأنهم لم ينشؤوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وإنما نشؤوا يمضغون قسوة الحياة، ويصارعون شظف العيش، حتى بلغوا قمم التخصص، وسادوا ميادين القيادة بعلمهم وكفاءتهم.
أما أولئك الفاشلون، الذين بدّدوا أعمارهم العلمية في التحويل إلى عمل إدارى مرة تلو المرة لفشلهم العلمي، فقد كتبوا على أنفسهم شهادة العجز بأيديهم، وأقرّوا — دون أن يشعروا — بأنهم ليسوا أهلًا لطريق العلم.
ولما وصلوا — بعد عنتٍ واستجداء — وجدوا الطريق قد أرهقهم وهم في أول عتباته، فارتدّوا على أعقابهم، لأن طريق العلم طريق صبر، وحِلم، وتواضع، وهم غرباء عن هذه الخصال.
فانقمعوا عند أول محطة، وانصرفوا إلى ما أُهِّلوا له من بذاءة، وازدراء، واحتقار لكل ناجحٍ متفوّق، ولو لم تجمعهم به صلة، لأنهم مصابون بداءٍ عضال: داء الشعور الدائم (بالدونية)
وهو مرضٌ لا يعرف صاحبه من الحياة إلا التسفيه، ولا يحسن إلا الهدم المعنوي، فيسخر من نشأة العصاميين، أو يتندر بهيئاتهم وأشكالهم، وهي خصال عرفها التاريخ في جاهلية العرب، ثم بقيت رواسبها في نفوسٍ وضيعة، وإن تغيّرت الجلابيب، وتبدّلت الألقاب.
وقد تسلّل بعض هؤلاء خلسةً إلى صفوف من يُفترض أنهم من أهل العلم، لكن العقول هي العقول، وإن لبست ثياب المتعلمين، وما يختلج في الصدور لا بد أن يفيض على الألسنة والسلوك.
فأوقفهم الله عند حدٍّ لا يتجاوزونه، وتركهم في الميدان الذي يجيدونه: ميدان الإفساد، والطعن في العلماء، والتطاول على القامات، حتى يقضي الله أمره فيهم.
وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وصدق النبي ﷺ حين قال:
«إنَّ اللهَ لَيُمْلِي للظالمِ، حتى إذا أخذه لم يُفلِته».

تم نسخ الرابط